مبادرات البنك المركزي ودعم التمويل السكني
في السنوات الأخيرة، أدرك البنك المركزي العراقي أهمية دعم قطاع الإسكان عبر توفير سيولة إضافية للمصارف والصناديق الحكومية المتخصصة. وقد أطلق عدة مبادرات مالية ضخمة أسهمت في تعزيز قدرات صندوق الإسكان والمصرف العقاري على منح القروض السكنية للمواطنين. ومن أبرز هذه المبادرات مبادرة الواحد تريليون دينار (2015-2020) ومبادرة الخمس تريليونات دينار (بدءًا من 2021) المخصصة لقطاع الإسكان.
في شباط/فبراير 2021 أعلن البنك المركزي العراقي عن مبادرة جديدة للقروض السكنية تضمنت تقسيم منافذ الإقراض إلى نوعين:
- قروض عبر صندوق الإسكان: خُصصت لتمويل بناء وحدات سكنية أو إضافة بناء من قبل المواطنين. حُدِّد سقف القرض بمبلغ 75 مليون دينار في بغداد ومراكز المحافظات (على ألا تقل مساحة البناء عن 100م²)، وبمبلغ 60 مليون دينار في أقضية بغداد و50 مليون دينار في المناطق الأخرى. كما شملت المبادرة إتاحة قرض 75 مليون دينار عبر الصندوق لشراء وحدات سكنية في المجمعات الاستثمارية التي سبق أن موَّلها الصندوق. جميع هذه القروض ضمن مبادرة البنك المركزي تُمنح بدون فوائد، وإنما تُستوفى عمولة إدارية لمرة واحدة بنسبة 5% من قيمة القرض، وبمدة سداد تصل إلى 20 سنة. إطالة مدة السداد إلى 20 عامًا جاءت لتقليل مبلغ القسط الشهري وتسهيل سداده على المواطنين.
- قروض عبر المصرف العقاري: خُصصت لتمويل شراء وحدات سكنية جاهزة مخصصة للبيع. حُدِّد سقف القرض بمبلغ 100 مليون دينار لشراء دار أو شقة خارج المجمعات السكنية الاستثمارية (على ألا تقل مساحتها عن 100م²). هذه القروض تتميز بفرض فائدة سنوية متناقصة بنسبة 2% من رصيد القرض، وبمدة سداد أقصاها 20 سنة. كما تم تخصيص قرض بمبلغ 125 مليون دينار لشراء وحدة سكنية داخل المجمعات الاستثمارية (كالمجمعات الجديدة التي ينفذها المطورون). هذا القرض بدون فائدة تمامًا لكن مع عمولة إدارية مقطوعة 5% مرة واحدة، وبمدة سداد حتى 20 سنة. أي أن قروض شراء الوحدات في المجمعات جاءت أكبر حجمًا وأفضل شروطًا (بدون فائدة) لتشجيع المواطنين على الإقبال على تلك المشاريع الحديثة.
- إلى جانب ذلك، أضاف البنك المركزي مبادرة خاصة بموظفي الدولة الموطّنة رواتبهم في المصارف (الحكومية أو الخاصة) لمنحهم قروضًا تصل إلى 15 مليون دينار تسدد خلال 5 سنوات، بعمولة مقطوعة 4% لمرة واحدة. هذه القروض الأصغر وُجّهت للأغراض الاستهلاكية والإسكانية البسيطة.
- يمكن القول إن هذه المبادرات عززت بشكل ملموس رأس مال صندوق الإسكان والمصرف العقاري لتنفيذ سياسة الإسكان دون تحميل الموازنة أعباء إضافية مباشرة. وفعليًا، قام البنك المركزي بضخ مبالغ كبيرة ضمن هذه البرامج. وفي أيار/مايو 2024 قرر مجلس إدارة البنك المركزي توفير 3 تريليونات دينار إضافية لدعم طلبات الاقتراض السكني عبر صندوق الإسكان والمصرف العقاري. وجّه البنك حينها كلا المؤسستين بوضع خطط مدروسة لاستيعاب الطلبات المتزايدة بصورة عادلة تراعي إنجاز الطلبات المتأخرة.
- كما دعا البنك المركزي الحكومة ومجلس النواب إلى تخصيص مبالغ سنوية في الموازنة لتعزيز رأس مال صندوق الإسكان والمصرف العقاري كي يتمكنا من الاستمرار في منح القروض للمواطنين. وهذا تأكيد على أن دعم قطاع الإسكان بات جهدًا تكامليًا بين السياسة النقدية (البنك المركزي) والسياسة المالية للحكومة.
- وفي سياق متصل، أعلن البنك المركزي مرارًا استمراره في تمويل كافة الطلبات المقبولة ضمن مبادرات الإسكان وعدم إيقافها، نافيًا الشائعات التي تتكرر حول توقف البرنامج. فمثلاً في مارس 2023 أكد المصرف المركزي أنه سيقوم بتمويل جميع طلبات شراء الوحدات السكنية المقدمة إلى المصارف المشاركة وصندوق الإسكان وفق الضوابط المقررة، حرصًا على مصداقية البرنامج واستفادة المواطنين منه على أكمل وجه.
- دور المصرف العقاري الحكومي مكمّل لدور صندوق الإسكان ضمن هذه المنظومة. فالمصرف العقاري (تأسس كهيئة حكومية مختصة بتمويل الإسكان) يركز حاليًا على تمويل شراء الوحدات السكنية الجاهزة، لا سيما عبر الاستفادة من أموال مبادرة البنك المركزي.
- وقد أطلق المصرف العقاري في 2025 منصة أور الإلكترونية لتقديم طلبات قروض شراء الوحدات السكنية، معلنًا الشروط التفصيلية لهذه القروض والتي تتماشى مع ما ذكرناه أعلاه: سقف 125 مليون دينار للوحدة داخل المجمع الاستثماري و100 مليون خارج المجمع، مدة 20 سنة، بدون فوائد مع 5% عمولة إدارية، ومساحة الوحدة لا تقل عن 100م²، مع كفيل حكومي ضعف القسط الشهري (حيث يقدّر القسط بنحو 438 ألف دينار شهريًا للقرض الأقصى).
- والمصرف بدوره يقوم برهن العقار واشتراط عقد الشراء مع المطور لضمان حقوقه. إضافة لذلك، يستمر المصرف العقاري بمنح قروض من موارده الذاتية (خارج مبادرة البنك المركزي) لبناء المساكن أو إضافة البناء، بسقوف حوالي 100 مليون دينار بفائدة تناقصية 5% لمدة 15 سنة، لكن هذه أقل رواجًا بسبب تفضيل المقترضين لقروض الصندوق أو المبادرة عديمة الفائدة.
أثر الصندوق على المشاريع الإسكانية الاستثمارية
لقد كان لإنشاء صندوق الإسكان العراقي وبرامجه التمويلية المتنوعة تأثيرٌ واضح على حركة قطاع الإسكان في العراق، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المشاريع الاستثمارية الكبرى. فعلى صعيد الإقراض الفردي، مكّن الصندوق عشرات الآلاف من العوائل من بناء منازلهم أو توسعتها في ظل عدم توافر قروض مصرفية تجارية ميسورة بنفس الشروط.
يكفي أن نشير إلى أنه في عام 2023 وحده منح الصندوق أكثر من 20 ألف قرض بقيمة إجمالية تقارب تريليون دينار، وفي خطة عام 2024 استهداف منح 17 ألف قرض إضافي بقيمة حوالي 900 مليار دينار. هذه الأرقام الضخمة تعني عشرات الآلاف من الوحدات السكنية التي أضيفت إلى السوق أو يجري بناؤها، ما يساهم في تقليص الفجوة السكنية تدريجيًا وتوفير مساكن ملائمة للمواطنين. أما على صعيد المشاريع الإسكانية الاستثمارية، فيمكن تقييم أثر الصندوق من ناحيتين مترابطتين:
- دعم جانب العرض (المطورين العقاريين): عبر آلية المشاركة في تمويل المجمعات السكنية، وفر الصندوق قناة تمويل حكومية ساعدت بعض الشركات على الشروع في مشاريع لم تكن لتنفذها بمفردها نظرًا لضخامة الاستثمار ومخاطر السوق. فالشركات المحلية وجدت في الصندوق شريكًا يتحمل نصف الكلفة بلا فوائد، مما يخفف عنها عبء التمويل ويجعل المشروع أكثر جدوى. كما أن مشاركة الصندوق تعني ضمنيًا ضمانة حكومية لمشروع الإسكان، وهذا يعزز ثقة الجهات الأخرى (كمصارف خاصة أو مشتري الوحدات) بالمشروع. كذلك، اشتراطات الصندوق من دراسات جدوى ورقابة هندسية ترفع من مستوى جودة المشاريع وتقلل من احتمال تعثرها فنياً أو مالياً، وبالتالي نجاة المطور من خسائر محتملة. وبالفعل، نُفّذت عدة مجمعات سكنية في سنوات ما بعد إنشاء الصندوق بتمويل مشترك (أو بقروض ميسرة) مثل بعض مشاريع الإسكان الاجتماعي في محافظات الفرات الأوسط وجنوب العراق. وإن كانت أعداد تلك المشاريع الممولة غير كبيرة، إلا أن الآلية موجّهة ويمكن تفعيلها أكثر مع زيادة رأس مال الصندوق مستقبلًا.
- دعم جانب الطلب (المشترين من المواطنين): يرتبط نجاح المشاريع الاستثمارية السكنية بقدرة المواطنين على شراء الوحدات. هنا أيضًا لعب الصندوق دورًا مهمًا من خلال توفير القروض الميسرة للمشترين. فالمواطن الذي يرغب بشراء شقة أو دار في مجمع سكني جديد يمكنه الحصول على قرض صندوق الإسكان (أو المصرف العقاري) بدون فوائد أو بفائدة منخفضة وبأقساط طويلة، مما يجعل امتلاك الوحدة السكنية بالتقسيط أمرًا ممكنًا لشرائح أوسع. على سبيل المثال، ضمن مبادرة البنك المركزي، قُدِّم قرض 75 مليون دينار عبر صندوق الإسكان لشراء وحدة في مجمع ممول من الصندوق، وكذلك قرض 125 مليون دينار عبر المصرف العقاري للوحدة في المجمع الاستثماري. هذه المبالغ تغطي نسبة كبيرة من ثمن الوحدة، وغالبًا الباقي يكون دفعة مقدمة على المشتري تدبيرها (أو تكون الأرض منحة حكومية مما يخفض السعر). النتيجة أن الكثير من المواطنين تمكنوا من الانتقال للسكن في مجمعات حديثة بفضل تلك القروض، بدلًا من بقائهم في مساكن غير لائقة أو مستأجرة. تنشيط الطلب عبر التمويل الرخيص أدى بالتبعية إلى تشجيع المطورين على الاستثمار في الإسكان: فوجود شريحة كبيرة من المشترين المحتملين القادرين على الدفع بالتقسيط المضمون بواسطة الدولة يجعل المشروع أقل مخاطرة وأكثر ربحية. وأشار محافظ البنك المركزي عام 2025 إلى أن 90% من مشاريع السكن القائمة في العراق تم تمويلها بشكل أو بآخر من البنك المركزي (عبر صندوق الإسكان أو المصرف العقاري)، مما يعني أن غالبية المشاريع ما كانت لتقوم دون هذا الدعم التمويلي الذي خلق حراكًا اقتصاديًا واسعًا في قطاع البناء والتشييد.
- الآثار الاقتصادية والاجتماعية العامة: إن نشاط صندوق الإسكان وقروضه الاستثمارية ليست مجرد أرقام، بل ترتبط بتحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص عمل. فكل بيت يُبنى بتمويل الصندوق يعني عمل للمقاولين والعمال وموردي مواد البناء، ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي. وكل مجمع سكني يُموَّل جزئيًا من الصندوق يعني مشروع تنموي يشغل مئات العمال والفنيين طوال فترة التنفيذ. أضف إلى ذلك البعد الاجتماعي الإيجابي المتمثل في تقليل زحام السكن العشوائي وتحسين نوعية حياة الأسر المنتقلة لمساكن حديثة. هذه المخرجات جميعها جعلت صندوق الإسكان ركيزة أساسية في سياسة الإسكان الوطنية.
رغم الإنجازات، يبقى التحدي الأكبر هو استمرارية التمويل لتوسيع أثر الصندوق. ولذلك تتجه الأنظار نحو زيادة رأس مال الصندوق سنويًا عبر الموازنة (كما طالب البنك المركزي) ليتمكن من تمويل المزيد من المشاريع والأفراد. أيضًا هناك مطالبات بتخفيف بعض الشروط مع الحفاظ على الضمانات؛ مثل زيادة مدة السداد إلى 20 سنة أسوةً بمبادرات البنك المركزي لتقليل الأقساط، أو رفع سقف القرض أكثر لمواكبة ارتفاع أسعار المواد والبناء. كما يجري النقاش حول تعديل قانون الصندوق لمنحه مرونة أكبر أو صلاحيات أوسع في مجال الاستثمار المباشر وتحصيل الديون. لكن إلى حين حصول ذلك، أثبت الصندوق بتركيبته الحالية قدرته على إحداث فرق ملموس في قطاع الإسكان.
خاتمة
في الختام، يمثل صندوق الإسكان العراقي تجربة مميزة في توظيف الأداة القانونية والمالية لتحقيق هدف اجتماعي واقتصادي بالغ الأهمية: توفير سكن ملائم للمواطن العراقي. فقد جاء القانون رقم 32 لسنة 2011 بتصور شامل يجمع بين الإقراض الاجتماعي للأفراد بدون فوائد والاستثمار التنموي في مشاريع الإسكان بالتعاون مع القطاع الخاص.
وعلى مدى الأعوام الماضية، ظهر الأثر الإيجابي للصندوق من خلال آلاف الوحدات السكنية التي تم بناؤها أو شراؤها بفضله، ومن خلال تحفيز شركات التطوير العقاري على تنفيذ مجمعات جديدة . ومع استمرار دعم البنك المركزي والحكومة للصندوق والمصرف العقاري بالسيولة الإضافية، يظل الأمل كبيرًا في توسيع نطاق خدمات الصندوق ليشمل عددًا أكبر من المواطنين والمشاريع، وبالتالي المساهمة في حل أزمة السكن المزمنة.
إن النهج القانوني الصارم والإدارة الحصيفة للصندوق ضمنا بقاءه مؤسسة مستقرة ماليًا وقادرة على تدوير أموالها لخدمة أجيال متعاقبة من المستفيدين. ومتى ما اقترن ذلك بزيادة الموارد وتحديث السياسات، فإن صندوق الإسكان يمكن أن يشكل قاطرة حقيقية تقود قطاع الإسكان العراقي نحو ازدهار يلبي طموحات المواطن بحق الحصول على مسكن كريم في وطنه.
للحصول على مشورة قانونية دقيقة حول القروض العقارية وضوابط التملك، تواصل مع شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات. نحن مستعدون لتقديم الدعم الكامل بصفتنا شركة محاماة في العراق تمتلك خبرة واسعة في القوانين والتشريعات العقارية والمصرفية.