يؤدي الوكيل التجاري في القانون العراقي دوراً حيوياً في تنظيم الأنشطة التجارية المرتبطة بالجهات الأجنبية العاملة في العراق. ويخضع هذا الدور لشروط قانونية صارمة وإجراءات ترخيص مصممة لضمان الشفافية وحماية الاقتصاد الوطني.
تتناول هذه المقالة الإطار القانوني الذي يحكم عمل الوكلاء التجاريين، بما في ذلك متطلبات الترخيص وإجراءات التسجيل والالتزامات القانونية بموجب قانون تنظيم الوكالات التجارية رقم 79 لسنة 2017.
المطلب الأول: شروط الوكيل التجاري وإجراءات الحصول على إجازة ممارسة أعمال الوكالة التجارية
نظّم المشرّع العراقي شروط الوكيل التجاري بصورة صريحة في قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017، بوصفها شروطاً أساسية لا يجوز تجاوزها، ويتوقف على توافرها منح إجازة ممارسة أعمال الوكالة التجارية داخل العراق.
أولاً: شروط الوكيل التجاري:
نصّت المادة (4) من قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017 على الشروط الواجب توافرها في طالب إجازة ممارسة أعمال الوكالة التجارية، وذلك على النحو الآتي:
- أن يكون عراقياً.
- أن يكون كامل الأهلية القانونية.
- أن لا يكون محكوماً عليه بجناية أو جنحة مخلة بالشرف.
- أن يكون له مكتب تجاري في العراق لممارسة عمله.
- أن يكون منتمياً إلى إحدى الغرف التجارية في العراق، وله اسم تجاري مسجّل.
- أن لا يكون موظفاً أو مكلفاً بخدمة عامة.
- أن يكون لديه عقد وكالة تجارية واحد على الأقل، مصدق عليه وفقاً لأحكام القانون.
ثانياً: شروط الوكيل التجاري إذا كان شخصاً معنوياً (شركة):
ميّز المشرّع بين الوكيل التجاري الشخص الطبيعي والوكيل التجاري الشخص المعنوي، فنصّت الفقرة ثانياً من المادة (4) على أنه إذا كان طالب الإجازة شركة، فيُشترط فيها، إضافة إلى الشروط الواردة في الفقرات (د) و(هـ) و(ز) من البند أولاً من المادة ذاتها، ما يأتي:
- أن تكون الشركة عراقية.
- أن يكون رأس مال الشركة مملوكاً للعراقيين بنسبة (100%).
- أن تتوافر في المدير المفوض ذات الشروط المنصوص عليها في الفقرات (أ) و(ج) و(و) من البند أولاً من المادة (4).
ويُلاحظ أن هذه الشروط تهدف إلى التأكيد على الصفة الوطنية للوكيل التجاري، سواء كان شخصاً طبيعياً أم معنوياً، وإلى منع الجمع بين ممارسة أعمال الوكالة التجارية والوظيفة العامة، فضلاً عن ضمان النزاهة والاستقلال في ممارسة هذا النشاط.
ثالثاً: رأي مجلس الدولة بشأن شرط ملكية رأس المال:
ثار خلاف في تفسير الفقرة ثانياً من المادة (4) من القانون، حول مدى امتداد شرط ملكية رأس المال العراقي بنسبة (100%)، وهل ينصرف هذا الشرط إلى المالكين المباشرين في الشركة طالبة الإجازة فقط، أم يمتد ليشمل مساهمي الشركات المالكة لها.
وبناءً على طلب وزارة التجارة من مجلس الدولة بكتابها المرقم (م.و/8723) في 21/4/2025، لغرض تفسير النص المذكور، أصدر مجلس الدولة قراره المرقم (91/2025) والمؤرخ في 23/6/2025، والذي انتهى فيه إلى ما يأتي:
"يشترط في الشركة الراغبة في تسجيل وكالة تجارية أن تكون شركة عراقية، وأن يكون رأس مالها مملوكاً للعراقيين بنسبة (100%)، ولا يمتد هذا الشرط إلى مساهمي الشركات المساهمة فيها."
وقد استند مجلس الدولة في تعليل هذا الرأي إلى نص المادة (23) من قانون الشركات رقم 21 لسنة 1997، التي نصت على أن:
"تكون الشركة المؤسسة في العراق وفق أحكام هذا القانون عراقية"،
فضلاً عن القاعدة العامة التي تقضي بأن الشركة تتمتع بشخصية معنوية مستقلة عن المساهمين فيها، مما يمنع الخلط بين جنسية الشركة وجنسية الشركاء أو المساهمين.
ويُعد هذا الرأي ذا أهمية عملية كبيرة، إذ أسهم في توحيد التطبيق الإداري للنص القانوني، ورفع اللبس بشأن شرط ملكية رأس المال، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنظيم القانوني وتشجيع الاستثمار غير المباشر في الشركات العراقية.
المطلب الثاني: إجراءات الحصول على إجازة ممارسة أعمال الوكالة التجارية
نظّم المشرّع العراقي إجراءات الحصول على إجازة ممارسة أعمال الوكالة التجارية في المادة (5) من قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017، وذلك ضمن إطار زمني وإجرائي محدد، بما يحقق التوازن بين تسهيل الإجراءات الإدارية وضمان خضوع نشاط الوكالة التجارية للرقابة القانونية.
أولاً: تقديم طلب الإجازة:
يبدأ إجراء الحصول على إجازة ممارسة أعمال الوكالة التجارية بتقديم طالب الإجازة طلباً إلى مسجل الشركات، مرفقاً بالمستمسكات التي تثبت توافر الشروط المنصوص عليها في المادة (4) من القانون، سواء تعلّق الأمر بشخص طبيعي أو شخص معنوي. ويُعد هذا الطلب الأساس القانوني الذي تُباشر على ضوئه الجهة المختصة إجراءات التدقيق والتحقق.
ثانياً: البت في طلب الإجازة:
أناط المشرّع بمسجل الشركات صلاحية البت في طلب الإجازة، إذ يلتزم المسجل باتخاذ قراره خلال مدة (10) عشرة أيام عمل من تاريخ تسجيل الطلب وارداً في مكتبه. ويُعد سكوت المسجل عن الرد بعد انقضاء هذه المدة، في حال استيفاء الطلب للشروط القانونية، بمثابة قبول للطلب حكماً.
وفي حال رفض الطلب صراحة، اشترط القانون أن يكون قرار الرفض مسبباً، ضماناً لشفافية القرار الإداري وتمكين طالب الإجازة من ممارسة حقه في التظلم والطعن.
ثالثاً: التظلم من قرار الرفض:
أجاز القانون لطالب الإجازة التظلم من قرار رفض التسجيل أمام الوزير المختص خلال مدة (30) ثلاثين يوماً من اليوم التالي لتاريخ تبلغه بقرار الرفض. ويبت الوزير في التظلم خلال مدة (10) عشرة أيام عمل من تاريخ تسجيله وارداً في مكتبه، ويُعد سكوت الوزير بعد انقضاء هذه المدة رفضاً للتظلم حكماً.
ويكون قرار الوزير، سواء صدر صراحة أو حكماً، قابلاً للطعن أمام محكمة القضاء الإداري، وفقاً لأحكام قانون مجلس الدولة، بما يوفّر ضمانة قضائية لرقابة مشروعية القرار الإداري.
رابعاً: إصدار الإجازة:
يصدر مسجل الشركات إجازة ممارسة أعمال الوكالة التجارية عند تحقق شروط منحها، ووفق نموذج معدّ لهذا الغرض، وذلك بعد قيام طالب الإجازة بتسديد الرسوم القانونية المقررة. وبصدور هذه الإجازة، يكتسب الوكيل التجاري الصفة القانونية التي تخوّله ممارسة أعمال الوكالة التجارية داخل العراق وفقاً لأحكام القانون.
خامساً: تجديد إجازة الوكالة التجارية:
ألزم المشرّع الوكيل التجاري بتجديد إجازة ممارسة أعمال الوكالة التجارية بصورة دورية، ضماناً لاستمرار خضوع هذا النشاط للرقابة القانونية. وقد نصّت المادة (6) من قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017 صراحة على ما يأتي:
"يلتزم الوكيل التجاري بتقديم طلب لتجديد إجازته سنوياً خلال (60) الستين يوماً الأولى من بداية السنة، بصرف النظر عن تاريخ إصدار الإجازة أو تاريخ تجديدها الأخير."
ويُفهم من هذا النص أن التزام التجديد السنوي يُعد التزاماً قانونياً مستقلاً عن تاريخ منح الإجازة أو آخر تجديد لها، وأن الغاية منه هي التأكد من استمرار توافر الشروط القانونية في الوكيل التجاري، واستمرار مشروعية ممارسته لأعمال الوكالة التجارية داخل العراق. ويترتب على الإخلال بهذا الالتزام الآثار القانونية التي نص عليها القانون، والتي سيتم تناولها عند بحث الطبيعة الإلزامية لهذه الشروط وآثار عدم الالتزام بها.
المطلب الثالث: واجبات الوكيل التجاري
أخضع المشرّع العراقي الوكيل التجاري لجملة من الواجبات القانونية التي تهدف إلى تنظيم نشاط الوكالة التجارية وضمان الشفافية وحسن الرقابة الإدارية والمالية، وقد وردت هذه الواجبات في كلٍ من قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017 والتعليمات الصادرة بموجبه.
أولاً: الالتزامات المتعلقة بإظهار بيانات الوكالة التجارية:
نصّت المادة (2) من تعليمات تسهيل تنفيذ أحكام قانون تنظيم الوكالة التجارية على عدد من الالتزامات التي تقع على عاتق الوكيل التجاري، ومن أبرزها:
- يلتزم الوكيل التجاري بتثبيت العلامة التجارية والاسم التجاري ورقم الوكالة التجارية واسم المنتج على جميع المواد المستوردة.
ويهدف هذا الالتزام إلى بيان الصفة القانونية للوكيل التجاري، وتمكين الجهات المختصة والمستهلكين من التحقق من مشروعية الاستيراد ومصدر السلع أو المنتجات المعروضة في السوق العراقي. - أجازت التعليمات تسجيل عقود الوكالات التي تقتصر على ممارسة أعمال الصيانة أو تجهيز قطع الغيار للمنتجات والسلع أو تقديم خدمات ما بعد البيع، متى كان ذلك يتم نيابةً عن الموكل الأجنبي.
ويُفهم من ذلك أن التزام الوكيل التجاري لا يقتصر على البيع أو التوزيع، بل قد ينحصر في تقديم خدمات لاحقة للمنتج، وتبقى هذه الأعمال خاضعة لأحكام قانون الوكالة التجارية متى توافرت شروطه.
ثانياً: الالتزامات المتعلقة بمسك الدفاتر والسجلات:
ألزم المشرّع الوكيل التجاري بمسك سجلات مالية خاصة، ونصّت المادة (11) من قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017 على ذلك، حيث جاء فيها:
- يلتزم الوكيل التجاري بمسك دفتر خاص يكون خالياً من أي شطب أو حك أو تحشية أو فراغ لا تقتضيه أصول مسك الدفاتر التجارية، ويُدوّن فيه مقدار الربح أو العمولة المتحققة له، مع بيان مقدار ما تم تحويله منها إلى العراق بواسطة الجهات المخوّلة، ونسبتها إلى مبالغ الصفقات المعقودة، فضلاً عن تسجيل جميع العمليات التجارية التي أجراها لحساب موكله.
- يلتزم الوكيل بعرض الدفتر المذكور على دائرة مسجل الشركات – قسم الوكالات التجارية – عند فتحه لتثبيت عدد صفحاته وختم كل صفحة منه، وكذلك في نهاية كل سنة للتصديق على عدد الصفحات المستعملة والتأشير بغلقه في آخر صفحة. كما يلتزم بتقديم هذا الدفتر إلى الهيئة العامة للضرائب في نهاية كل سنة مالية.
ويهدف هذا الالتزام إلى إحكام الرقابة المالية والضريبية على نشاط الوكيل التجاري، وضمان الإفصاح عن الأرباح والعمولات المتحققة من أعمال الوكالة التجارية، ومنع أي ممارسات قد تخل بالشفافية أو النظام الضريبي.
وبذلك يتضح أن واجبات الوكيل التجاري لا تقتصر على تنفيذ العلاقة التعاقدية مع الموكل فحسب، وإنما تمتد لتشمل التزامات تنظيمية ومالية وإدارية، تعكس الطبيعة الخاصة لعقد الوكالة التجارية وخضوعه لإشراف الدولة حمايةً للاقتصاد الوطني وتنظيماً لحركة التجارة داخل العراق.
للحصول على استشارات قانونية متخصصة حول الوكيل التجاري في القانون العراقي وعقود الوكالة التجارية، تواصل مع
شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات.
وتعامل مع مكتب محاماة يقدّم حلولًا قانونية دقيقة وموثوقة تلبي احتياجاتك التجارية.