<meta name="google-site-verification" content="4XN2SjXYk6LK9bqfiZoXeTd2r_847Kmu9bOlJezEu_A" />

التحالف المصرفي في العراق

التحالف المصرفي في العراق

 مما لا شك فيه أن المصارف تلعب دورا هاما ورئيسيا في دفع عجلة التنمية ورواج الاقتصاد القومي لكل دولة، إذ تعد جزءاً من النسيج الاقتصادي ككل يتأثر به ويؤثر فيه، وهي من أبرز المؤسسات وأهم الركائز في البيئة التجارية والاقتصادية لأي دولة، وذلك لما تؤديه من دور أساسي في دعم الاقتصاد الوطني إذ يسهم بشكل فعال في تمويل عمليات التنمية وتنشيط الحركة الاقتصادية ولما يقدمه من أنشطة وخدمات متنوعة للأفراد والمؤسسات المختلفة. ومن جهة أخرى، فإن تعثر المصرف أو فشله في أداء وظائفه يترك آثاراً سلبية على الحياة الاقتصادية والتجارية، الأمر الذي يفرض على المصارف ضرورة تبني استراتيجيات سليمة تساعد على استثمار مواردها وقدراتها بما يعزز موقعها التنافسي. ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل بيئة أعمال تتسم بارتفاع مستوى المنافسة نتيجة لأثر التطور الحاصل في هذا القطاع.

 ومع تغير بيئة الأعمال العالمية بدأ القطاع المصرفي يلعب دوراً بالغ الأهمية في الاقتصاد، وعليه بات من الضروري أن تتكيف الشركات، بما فيها المصارف مع هذه التغيرات لضمان بقائها وتحقيق أهدافها. وإزاء التحديات التي تواجهها المصارف يتعين عليها التنويع في السياسات والتوسع في الخدمات التي تقدمها وتعد عمليات الاندماج والاستحواذ والمشاريع المشتركة بعضاً من الوسائل التي تضمن للشركات استمرار نموها وربحيتها ونجاحها. على أن كل هذه الوسائل لن تكون كافية إذا لم تتمكن المؤسسة من الاهتمام بعملائها. فالعملاء هم مصدر تمويل المؤسسات سواء أكانوا أشخاصاً طبيعية أم معنوية.

 وفي العراق، برزت فكرة التحالف المصرفي كأحد الأساليب الحديثة التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين المصارف ورفع مستوى كفاءتها لمواجهة التحديات الاقتصادية والمالية المتزايدة، وذلك من خلال ما أصدره البنك المركزي العراقي من "ضوابط شهادات الإيداع وشهادات الاستثمار المصرفية" في 17/3/2020، بالاستناد الى المادة (27/ج) من قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004، والمادة (5/سابعاً) من قانون المصارف الإسلامية رقم 43 لسنة 2015.

نشأة التحالف المصرفي

 إن التحالف المصرفية كفكرة أبتدعها مجلس حكام الاحتياطي الفيدرالي (FRB) والتي تعود بداياتها الى عام 1913 عندما سُمح للمصارف الامريكية بعقد تحالفات مع مصارف دولية في اوروبا وباقي دول العالم وكان من بين أبرز المؤسسات المالية المتحالفة (Mercantile Bank Of America) و (American Foreign Banking Corporation) و (Bank of Central and South America).

وفي عام (1955) بدأت تتجلى ملامح التحالفات المصرفية بأسلوب النوادي المصرفية (Club Bank)، ثم ظهرت المؤسسات المالية المشتركة (Syndicate or Consortium Financial institutions)، وقد تشكل عام (1964) اول تحالف مصرفي دولي واسع سُمي باسم (Midland and International) بإدارة مصرف (Midland) والذي ضم بالإضافة اليه مصرف (Standard bank of UK) ومصرف (Commercial Bank of Australia) ومصرف (Toronto Dominion bank) الكندي.

وبعد ذلك ظهرت مجموعة من التحالفات مثل اتحاد المؤسسات المالية الاوربية (Abecor) والشركاء الاوربيون (Euro partners) وشركة المصارف الدولية الاوربية (Euro banking International Company) والفا الدولية (Inter-Alpha) وجمعية التمويل الاوربية (Europe Finance Society).

اما في التسعينات وما تلاها من السنوات الاولى للقرن الحادي والعشرين فأن مظهر آخر اخذ بالظهور في مرحلة تطور التحالفات المصرفية الا وهو تحول هدف التحالفات من الانتشار الدولي الى تنويع باقة الخدمات المقدمة من خلال عدم اقتصار التحالفات مع المؤسسات المالية حصراً، وانما توسعت لتشمل مؤسسات في قطاعات مختلفة وخاصة مع التطور المتسارع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لكون المؤسسات المالية لا تستطيع تقديم مثل هذه الخدمات الا إذا استعانت بخبرات المؤسسات المتخصصة، كالاستعانة بشركات متخصصة بالأمن المصرفي أو شركات تزويد خدمات الانترنت لغرض تقديم خدمات مصرفية آمنة وسريعة عن بُعّد وبتكاليف منخفضة، وصولاً لتعزيز الابتكار.

مفهوم التحالف المصرفي

بعد تقديم عرض عن نشأة هذه الفكرة وكيفية تطورها، فأن الحاجة تدعو إلى التعريف بالفكرة ومن ثم بيان الأساس القانوني لها في التشريع العراقي، وذلك وفق الآتي:

أولاً: تعريف التحالف المصرفي

تعد التحالفات الاستراتيجية من بين الخيارات الأكثر شيوعاً لدى مؤسسات الدول المتقدمة، لما تتيحه من تجميع الموارد المتاحة لكل طرف من الأطراف للمضي في عمل مشترك من شأنه تقليل درجة المخاطرة التي تتعرض لها المؤسسات لو أنها عملت بمفردها بالإضافة إلى تعزيز المزايا التنافسية للحلفاء، كما أنها تمثل توجهاً استراتيجياً مهماً لتحقيق منافسة فعالة عن طريق العمل على تشكيل تحالفات استراتيجية مع منافسين يتم اختيارهم بعناية فائقة وذلك من أجل تحقيق الأهداف المرجوة للأطراف المتحالفة.

لذا يمكن تعريف مفهوم التحالف الاستراتيجي بأنه "اتفاقيات تعاونية بين المنظمات التي قد تكون متنافسة، وتتدرج التحالفات الاستراتيجية من اتفاقيات التعاون في مجالات التسويق والإعلان والبحث والتطوير إلى المشاريع المشتركة"، مما يعني أن التحالفات قد لا تقتصر فيما بين الشركات المتنافسة وفي نفس النشاط، بل يمكن أن تتعدى إلى التحالف مع شركات غير متنافسة وفي نشاط آخر. كما لو تحالف مصرف مالي مع شركة لتقديم خدمات الكترونية، فالمصرف يرغب في الحصول على خدمات لا يمكنه تأمينها بنفسه لأسباب قد تتعلق بالوفرة المالية أو اليد العاملة أو المعرفة الدقيقة في مجال التكنلوجيا، وفي الوقت نفسه فأن شركة الخدمات الالكترونية تقدم خدماتها للمصرف في سبيل تحقيق الربح.

 كذلك عرف التحالف الاستراتيجي بأنه "عبارة عن اتفاق بين طرفين أو أكثر يتحقق في ظل احتفاظ كل طرف من أطراف التحالف بخصوصياته التي تجعله يتميز عن غيره من الحلفاء. يتم بموجب هذا التحالف الاستفادة من القدرات الذاتية لكل طرف بشكل يسمح للأطراف المتحالفة بتحسين قدراتها التنافسية في مجال عملها وتفادي أوجه القصور الذي يميز عمل كل منها بشكل منفرد، وهو ما له أثر على زيادة فعاليتها، بشكل يسمح لها بتخفيض تكاليفها الإنتاجية أو زيادة حصتها داخل السوق التي تعمل فيها. مع العلم أنّ التحالف يقتضي تقييما دوريا بقصد تفادي الأخطاء من أجل تحسين الأداء. هذا التحالف يسمح بتجاوز النتائج المترتبة عن المنافسة القاتلة. فبدلا من الحرب بين المتنافسين في مجال معين، يتحالف المتحالفون لتحقيق أهداف مشتركة".

وبما أن أغلب التعريفات قد نظرت الى التحالف التجاري من الوجهة الاقتصادية إذ تعددت تعاريف الفقه والشراح التي قيلت في التحالف التجاري، فقد ذهب جانب من الفقهاء والشراح إلى أن التحالف المصرفي "هو مجموعة واسعة من العلاقات العقدية التي تنشأ بين المؤسسات المتنافسة في أقطار مختلفة، تسعى لتحقيق هدف معين". وعرفها البعض الآخر بأنها "إحلال التعاون محل المنافسة التي قد تؤدي إلى إخراج أحد الأطراف من السوق، على أن يؤدي التحالف إلى التعاون والسيطرة على المخاطر والتهديدات ومشاركة الأطراف في الأرباح والمنافع".

وقد عرف التحالف المصرفي أيضاً بأنه "شكل من أشكال التعاون بين مجموعة من المصارف، بهدف تنسيق الجهود وتبادل الخبرات والموارد، دون أن تفقد هذه المصارف استقلالها القانوني. ويكون هذا التحالف عادة لتحقيق أهداف مشتركة مثل تمويل المشاريع الكبرى، تطوير الخدمات المصرفية، أو مواجهة المخاطر المالية، أو تحقيق مكاسب كبيرة وتعزيز الموقع التنافسي والحصص السوقية لأعضاء التحالف".

أما على صعيد التشريع العراقي فلا نجد قانون يعنى صراحة بتنظيم مسألة التحالف المصرفي، غير أن قانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم 14 لسنة 2010 قد أشارة إلى الممارسات التجارية في نص المادة (9) منه "يحظر اي اندماج بين شركتين او أكثر واية ممارسة تجارية مقيدة إذا كانت الشركة او مجموعة من الشركات مندمجة او مرتبطة مع بعضها تسيطر على 50% او أكثر من مجموع انتاج سلعة او خدمة معينة، او إذا كانت تسيطر على 50% او أكثر من مجموع مبيعات سلعة او خدمة معينة". نلاحظ على نص هذه المادة أن الشركات أياً كان نشاطها فأنه يحظر عليها القيام بأية تحالفات تجارية أو اتفاقات أو توافقات في السياسة العامة لنشاط كل منها، فيما إذا كانت تلك الممارسات من شأنها أن تسيطر على نسبة 50% أو أكثر من مجموع انتاج أو بيع سلعة أو خدمة معينة وهي الحد المحظور قانوناً، إذ تشكل اخلالا بالمنافسة المشروعة ومن ثم تؤدي إلى الاحتكار مما ينعكس أثره في الحد من دخول مؤسسات جديدة للأسواق المسيطرة عليها تلك التحالفات. وهذا يعني أن التحالفات المصرفية يمكن أن أنشاؤها فيما بين المصارف الأخرى في نفس النشاط على ألا تزيد نسبة سيطرة هذا التحالف على الحد المحظور قانوناً، وإلا عرضت نفسها للمساءلة وفق العقوبة المقررة في القانون أعلاه.

كما أنه في عام 2020 أصدر البنك المركزي العراقي "ضوابط شهادات الإيداع وشهادات الاستثمار المصرفية" بالعدد 9/3/127 في 17/3/2020، عرف في هذه الضوابط مفهوم التحالف المصرفي صراحة بأنه "تعاون مصرفين فأكثر على اصدار شهادات الاستثمار بهدف تمويل مشروع محدد، وتقديم الضمانات 

المناسبة لقاء اصدارها مع الاخذ بنظر الاعتبار خصوصية المصارف الإسلامية". نلحظ بإن ما يؤخذ على هذا التعريف أنه قصر التحالف فيما بين المصارف دون بقية المؤسسات، واختزله بهدف تمويل المشاريع وإصدار شهادات الاستثمار دون غيره من الأهداف الأخرى، كما وقد جاء خالياً من بيان طبيعة هذا التعاون وذكر الأنماط الأخرى للتحالف المصرفي.

 لذا فقد ظهر اتجاهين في تحديد أطراف التحالف المصرفي، الاتجاه الأول وهو الاتجاه الضيق الذي يرى أن التحالف المصرفي عبارة عن علاقة تعاونية بين مصرفين فأكثر، إذ يقتضب هذا الاتجاه التحالف المصرفي في العلاقات فيما بين المصارف فقط، بينما يذهب الاتجاه الآخر إلى توسيع نطاق التحالف المصرفي من حيث الأطراف إذ يرى بأنه عبارة عن علاقة تعاونية بين مجموعة من المصارف والمؤسسات المالية.

 لما تقدم فمن الضروري التوسع في نطاق التحالف المصرفي من حيث الأطراف وعدم اختزاله في التحالف فيما بين المصارف أو بين المصارف والمؤسسات المالية. حيث إن الضرورة الاقتصادية قد تدفع بالمصارف نحو اقامة تحالفات تجارية مع شركات مختصة في نشاط آخر، كما لو تحالف المصرف مع شركة تمتلك التكنولوجيا التي يكون المصرف بحاجة إليها لتوسيع وتطوير انشطته أو إضافة خدمة ما، فضلاً عن إمكانية إقامة التحالف مع مراكز الأبحاث والدراسات. ولا نجد ما يمنع من حصول تحالف بمعناه الواسع بين مصرف وشركة أخرى في نشاط مغاير لها ما دام أن الغرض من التحالف مشروع وأنه غير مخالف للقانون والنظام العام، مع الاخذ بعين الاعتبار ما ورد في نص المادة (9) من قانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم 14 لسنة 2010.

 

© 2026 جميع الحقوق محفوظة - شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات