صندوق الإسكان العراقي وأثره على المشاريع الإسكانية الاستثمارية
يواجه العراق أزمة سكنية مستمرة تتطلب حلولًا تمويلية مبتكرة. في هذا الإطار يأتي صندوق الإسكان العراقي كأحد أهم أدوات الدولة لمعالجة المشكلة، إذ أُنشئ بموجب القانون رقم 32 لسنة 2011 بهدف تمويل مشاريع الإسكان لتمكين المواطنين العراقيين (باستثناء إقليم كردستان) من بناء وحدات سكنية عبر قروض عقارية بدون فوائد. يرتبط الصندوق إداريًا بوزارة الإعمار والإسكان ويتمتع بالشخصية المعنوية، ويديره مجلس أمناء برئاسة وزير الإعمار والإسكان وعضوية ممثلي وزارات وجهات حكومية أخرى إلى جانب خبراء من القطاع الخاص. لقد ساهم الصندوق، ولو جزئيًا، في تخفيف أزمة السكن من خلال تقديم قروض ميسرة لبناء المساكن، مع التركيز على دعم الإسكان الفردي، وفي الوقت نفسه يتيح القانون إمكانية تمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى في قطاع الإسكان. في هذا المقال سنستعرض الشروط والأحكام القانونية لقروض صندوق الإسكان الفردية، وآليات تمويل المجمعات السكنية الاستثمارية، ومدى تأثير عمل الصندوق على تنشيط مشاريع الإسكان الاستثمارية في العراق.
احكام وشروط الإقراض الفردي للمواطنين
وضع قانون صندوق الإسكان وتعليماته مجموعة من الشروط للاستفادة من قروض الإسكان الفردية. تهدف هذه الشروط إلى ضمان ذهاب القروض لمستحقيها القادرين على البناء وضمان استرداد الأموال العامة. ويمكن إيجاز أبرز شروط وإجراءات الإقراض الفردي كما يلي:
- الفئة المستهدفة والجنسية والعمر: يمنح القرض لكل مواطن عراقي بالغ أتم الثامنة عشرة من عمره ولا يتجاوز الخامسة والستين، شرط أن يكون متمتعًا بالأهلية القانونية الكاملة. يستثنى سكان إقليم كردستان من قروض الصندوق بحكم نطاق عمله المحدد قانونًا.
- ملكية أرض سكنية: يشترط أن يمتلك طالب القرض قطعة أرض سكنية باسمه (ملك صرف) سواء بشكل مستقل أو على وجه الشيوع (مشترك مع آخرين). ويجب أن تغطي قيمة الأرض مبلغ القرض المطلوب ضمانًا للسداد. إذا كانت الأرض مشاعة فيجب ألا تقل حصة المقترض فيها عن 100 متر مربع، أما إذا كانت ملكًا مستقلًا بالكامل للمقترض فلا يشترط حد أدنى للمساحة سوى ما يتطلبه البناء (على أن لا تقل مساحة الوحدة السكنية المبنية عن 65 م² وفق التعليمات). عمومًا، لا تُقبَل الأراضي الزراعية ضمن برنامج الإقراض السكني، إذ يجب أن تكون الأرض سكنية الطابع (طابو سكني). ويمكن أن يكون العقار المراد بناؤه إما دارًا جديدًا على أرض فارغة أو إضافة بناء (طابق أو جزء جديد) على دار قائم قابل للتوسعة، ولا تشمل القروض أغراض الترميم أو التأهيل البسيط.
- رخصة البناء والتصاميم: يتوجب على طالب القرض الحصول على إجازة بناء سارية المفعول للمشروع السكني المراد إنشاؤه. يجب أن تكون الإجازة حديثة الإصدار (لم يمضِ عليها أكثر من 3 سنوات، وإن كانت أقدم فيلزم تجديدها أصوليًا). كما يلزم تقديم خارطة بناء مصدّقة (مخططات معمارية وإنشائية) مطابقة للإجازة، مع خارطة تثبيت حدود العقار صادرة عن دائرة التسجيل العقاري وحديثة (لا يزيد عمرها عن 3 أشهر). هذه المتطلبات تضمن جدية المشروع والتحقق من قابلية الأرض للبناء القانوني.
- الملاءة المالية والضمان الشخصي: لضمان سداد الأقساط، على المقترض تقديم كفيل ضامن يكون موظفًا حكوميًا على الملاك الدائم (مدني أو عسكري)، بشرط أن يغطي نصف راتبه الاسمي قيمة القسط الشهري المطلوب سداده من قبل المقترض. تُنظّم كفالة رسمية لدى الصندوق أو كاتب العدل وتصدّق أصوليًا، مع تعهد دائرة الكفيل باقتطاع الأقساط من راتبه عند طلب الصندوق ذلك. يُستثنى المتقاعدون ومنتسبو هيئة الحشد الشعبي حاليًا من قبول كفالتهم (لعدم ورود تعليمات بشمولهم)، لذا يجب أن يكون الكفيل موظفًا على رأس الخدمة. وإذا كان المقترض نفسه موظفًا حكوميًا فيُسمح بأن يكفل نفسه بضمان راتبه، دون الحاجة لكفيل آخر؛ وقد أتاحت التعليمات هذه المرونة مؤخرًا لتسهيل الإجراءات. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يُسمح بأن يكون الشخص كفيلًا لأكثر من مقترض واحد في آن واحد. كما وضع الصندوق معادلة لحساب الحد الأقصى لمبلغ القرض بناءً على دخل الكفيل (أو دخل المقترض الموظف) لضمان أن القسط الشهري يقع ضمن حدود يمكن تغطيتها بنصف الراتب الاسمي على الأقل – حاليًا الحد الأدنى للراتب المطلوب للكفيل هو 690 ألف دينار مما يكافئ تقريبًا قرض السقف الأعلى.
- المستندات المطلوبة: على طالب القرض استكمال حزمة من الوثائق الرسمية قبل المنح. تتضمن هذه الحزمة عادةً:
- استمارة طلب القرض المعتمدة والمعدة من قبل الصندوق (تُقدَّم إلكترونيًا كما سيأتي).
- سند ملكية العقار (صك الأرض) حديث الإصدار وصورة ملونة منه، بشرط ألا يكون مضى على صدوره أكثر من 6 أشهر لضمان حداثة بيانات الملكية.
- إجازة بناء نافذة (سارية) للمشروع السكني، بحيث لا يتجاوز تاريخ إصدارها 3 سنوات – وإذا كانت أقدم فيجب تجديدها وختمها وتصديقها أصوليًا.
- خارطة تثبيت الحدود حديثة (صادرة خلال آخر 3 أشهر) ومصدقة من دائرة التسجيل العقاري، تبين حدود وأبعاد الأرض بشكل دقيق.
- خارطة البناء (المخططات الهندسية) مصدقة من الجهات الرسمية (البلدية أو هيئة الإسكان العامة) وفق الأصول. يجب أن تغطي المخططات كافة التفاصيل المعمارية والإنشائية. وينبغي أن يحقق التصميم الحد الأدنى لمساحة البناء 65 مترًا مربعًا للوحدة السكنية لضمان ملاءمة المسكن.
- الكفالة الضامنة: يتعين تقديم كتاب كفالة وتعهد رسمي وفق نموذج معتمد من الصندوق، موقع من الكفيل الموظف ومصدق من دائرته ومن كاتب العدل، يضمن تغطية الاستحقاقات الشهرية.
- التعهدات الخطية: على المقترض توقيع تعهد خطي بأن ملكية الأرض تعود له فعلاً وأنه ملتزم بتسديد القرض وفق الآلية المحددة، ويتحمل المسؤولية القانونية عن صحة جميع المستمسكات والمعلومات المقدمة.
- المستمسكات الشخصية الثبوتية: هوية الأحوال المدنية (أو البطاقة الموحدة)، شهادة الجنسية العراقية، بطاقة السكن، وصور شخصية حديثة للمقترض والكفيل. هذه لضمان هوية المقترض والكفيل وتوثيق معاملتهم بشكل صحيح.
باستيفاء الشروط أعلاه وتقديم المستندات المطلوبة، يكون طلب القرض مؤهلاً للمضي في الإجراءات. من الجدير بالذكر أن التقديم على القرض أصبح إلكترونيًا بالكامل اعتبارًا من عام 2024 عبر منصة بوابة أور للخدمات الحكومية. يقوم طالب القرض بملء الاستمارة الإلكترونية وإرفاق صور المستمسكات، ثم يتم تقييم الطلبات إلكترونيًا وفق نظام نقاط للمفاضلة يأخذ بالاعتبار عوامل مثل: موقع العقار، نوع البناء، عمر المتقدم، حالته الاجتماعية، عدد أفراد الأسرة، ما إذا كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، وما إذا استفاد سابقًا من قروض إسكانية. هذا النظام يهدف لضمان عدالة وشفافية توزيع القروض وفق الأولويات، بعيدًا عن المحسوبية والتزوير. وبعد قبول الطلب مبدئيًا، يتم تبليغ المواطن بالحضور لتقديم الأصول وتوقيع العقد واستكمال باقي الإجراءات.
سقوف القروض والسداد: مبالغ التمويل وآلية الصرف
عند إطلاق قانون صندوق الإسكان عام 2011، حُدِّدت سقوف التمويل بمبالغ متواضعة نسبيًا تراعي الوضع الاقتصادي آنذاك. كانت التعليمات الأصلية تنص على سقف قرض قدره 35 مليون دينار في مركز محافظة بغداد (ضمن حدود أمانة بغداد)، و30 مليون دينار في مراكز باقي المحافظات والأقضية والنواحي. كما فُرضت تحميلات إدارية بنسبة 2% من مبلغ القرض تُستوفى مرة واحدة مقدّمًا عند صرف الدفعة الأولى (وذلك بدلًا من أي فائدة، حيث إن القرض مُعفى من الفوائد تمامًا بحسب المادة 2 من القانون). غير أن هذه الحدود المالية تطورت مع الوقت استجابةً لموجبات التضخم وارتفاع تكاليف البناء. ففي عام 2022 رُفع سقف القرض إلى 50 مليون دينار في مراكز المدن و35 مليون في المناطق الأخرى، قبل أن يُعاد النظر مجددًا في 2023.
وجاء قرار لمجلس الوزراء عام 2023 برفع سقف قروض صندوق الإسكان إلى 60 مليون دينار موحّد لكافة المحافظات (بغداد وباقي المناطق على حد سواء). وهكذا أصبح الحد الأقصى للقرض الفردي 60,000,000 دينار عراقي، يسدد بأقساط شهرية خلال 15 سنة (180 شهرًا). علمًا بأن هذه القروض بدون فوائد (0%)؛ أي أن المقترض يعيد نفس المبلغ المقترض دون زيادة ربحية، باستثناء الرسوم الإدارية البسيطة المذكورة. إن اعتماد فترة سداد طويلة (15 عامًا) للقرض يهدف إلى تخفيض قيمة القسط الشهري لتكون بمتناول دخل الأسرة المتوسطة. وقد أصبحت عملية التسديد أكثر سهولة إلكترونية الآن، حيث يتم اقتطاع الأقساط شهريًا عبر الدفع الإلكتروني أو بطاقات الدفع الذكية بدلًا من التسديد اليدوي التقليدي.
اما آلية صرف مبلغ القرض ودفعاته ترتبط بتقدم مراحل البناء، لضمان استخدام أموال القرض في إقامة المسكن فعليًا. تمنح التعليمات المقترض خيارين لطريقة صرف القرض اعتمادًا على خطة البناء الخاصة به:
- الصرف على دفعتين: يصرف القرض على مرحلتين متساويتين (50% لكل منهما). تُطلق الدفعة الأولى (50%) بعد إنجاز مرحلة الهيكل المسقّف (أي إكمال البناء إلى مستوى تسقيف السقف الأخير بالخرسانة)، وتُصرف الدفعة الثانية (50%) عند إكمال أعمال الإنهاءات النهائية (تشمل أعمال تجهيز الماء والكهرباء، الشبابيك والأبواب، إتمام البياض الداخلي والخارجي، صب الأرضيات، إلخ). هذه الطريقة مناسبة لمن يبدأ البناء ويصل إلى التسقيف قبل طلب الصرف الأول. وطبقًا للتعليمات، إذا قدم المقترض ما يثبت وصول البناء إلى مرحلة الهيكل المسقّف مباشرة في أول كشف، يجوز صرف 70% من مبلغ القرض دفعةً أولى دفعةً واحدة، ثم الـ30% الباقية عند الإنهاءات. وبهذا يمكن عمليًا اختصار الدفعات إلى اثنتين.
- الصرف على ثلاث دفعات: يصرف القرض على ثلاث مراحل لمن يرغب بتمويل تدريجي أكثر. تكون الدفعة الأولى بنسبة 35% من القرض وتصرف عند إنجاز مرحلة الأساسات والقواعد (البُدلو/الحفر)، ثم الدفعة الثانية 45% تُدفع عند إنجاز مرحلة الهيكل المسقّف، وأخيرًا الدفعة الثالثة 20% عند إكمال مرحلة الإنهاءات النهائية. تكفل هذه الآلية تمويل المشروع خطوة بخطوة وتحفيز المقترض على إتمام المراحل لضمان الحصول على الدفعات اللاحقة.
في كل الأحوال، يخضع العقار محل التمويل إلى كشوفات موقعية من لجان هندسية تابعة للصندوق للتحقق من إنجاز المراحل قبل صرف أي دفعة. وقد أوجبت التعليمات أن يتحمل المقترض رسوم الكشف والتخمين بمبلغ مقطوع قدره 100 ألف دينار عن كل كشف موقعي، تدفع مسبقًا. ويتم تقييم قيمة العقار أيضًا (تخمينه) لضمان تناسبها مع مبلغ القرض كجزء من إجراء الموافقة على مبلغ التمويل.
تبدأ جدولة الأقساط الشهرية عادةً بعد صرف الدفعة الأولى بحوالي 1-2 أسبوع. أي أن المقترض يشرع بالتسديد حتى قبل أن يكمل البناء بشكل كامل، مما يجعل الالتزام المالي واضحًا منذ البداية. يتم التسديد إما لدى الصندوق مباشرة أو عبر قنوات الدفع الإلكتروني المرتبطة بالمصارف الحكومية باستخدام بطاقات الدفع الالكترونية.
الضمانات القانونية والجزاءات عند التخلف عن السداد
نظرًا لكون أموال الصندوق أموالًا عامة، أحاطها القانون بضمانات قوية لضمان استردادها من المقترضين المتخلفين عن السداد. فقد نصت المادة 12 من قانون صندوق الإسكان على وضع إشارة حجز في سجلات دائرة التسجيل العقاري على كل عقار يُمنح قرض لقاءه، لتكون بمثابة رهن تأميني من الدرجة الأولى لصالح الصندوق. وهذا يعني أن للصندوق امتيازًا مقدمًا على سائر الدائنين في استيفاء حقوقه من العقار. إضافة لذلك، تضمنت المادة 13 من القانون والتعليمات الملحقة به تفصيلًا للعواقب المترتبة على إخلال المقترض بشروط العقد أو تأخره في التسديد، كما يلي:
- غرامات التأخير: إذا تأخر المستفيد عن تسديد القسط الشهري أكثر من 30 يومًا من موعد استحقاقه، يفرض عليه الصندوق غرامة تأخيرية بنسبة 5% من قيمة ذلك القسط عن مدة التأخير (من تاريخ الاستحقاق حتى تاريخ الدفع). وإذا استمر التخلف، تُضاعَف الغرامة كل ثلاثة أشهر طالما لم يُسدَّد القسط. هذه الغرامات التصاعدية تهدف إلى ردع التأخير في الدفع.
- مطالبة الكفيل والاستقطاع من راتبه: عند تجاوز التأخير مدة 3 أشهر متتالية، تقوم إدارة الصندوق بمخاطبة دائرة الكفيل الضامن رسميًا بطلب استقطاع قيمة الأقساط المتأخرة مع غراماتها من راتب الكفيل وتحويلها فورًا للصندوق. فإذا امتنع الكفيل أو دائرته عن الاستجابة، اعتُبر ذلك إخلالًا بشروط العقد أيضًا، مما يجيز للصندوق اتخاذ إجراءات قانونية إضافية بحق الكفيل نفسه. وفي العادة توجه إنذارات لكل من المقترض والكفيل معًا تنبيهًا بعواقب التخلف المستمر.
- فسخ العقد وتخلية العقار بحكم القانون: وفق المادة 13/أولًا من القانون، إذا أخلَّ المقترض بأي حكم من أحكام القانون أو تعليماته أو أحكام عقد القرض أو التزاماته المتعلقة بالعقار، أو إذا ثبت أنه قدَّم معلومات أو مستندات غير صحيحة إلى الصندوق، يحق للصندوق فسخ عقد القرض من جانب واحد وإلزام المقترض بإخلاء العقار فورًا. يُخطر الصندوق المقترض رسميًا بقرار الفسخ والتخلية، ويحق للمقترض المتضرر الاعتراض أمام المحكمة المختصة خلال 30 يومًا داخل العراق أو 60 يومًا إن كان مقيمًا خارج العراق. هذا الاعتراض هو الضمان الأخير للمقترض، إلا أنه لا يوقف إجراءات الصندوق إلا إذا صدر قرار قضائي بذلك خلال المدة المحددة. وفي حال صدور حكم نهائي بإخلاء العقار، لا تُعاد للمقترض أي أقساط كان قد دفعها؛ بل تعتبر بمثابة بدل إيجار عن فترة إشغاله العقار من تاريخ العقد إلى تاريخ الإخلاء. وتُستوفى باقي مستحقات الصندوق (التي لم تغطها الأقساط المدفوعة) وفق قانون تحصيل الديون الحكومية رقم 56 لسنة 1977، وهو قانون يتيح للإدارة التنفيذ المباشر على أموال المدين دون حاجة لدعوى مطوّلة. كذلك لا تعفي التخلية المقترض من مسؤولية التعويض عن أي أضرار أو خسائر لحقت بالعقار أثناء فترة إشغاله. وبموجب المادة 13 أيضًا، تُعتبر ديون الصندوق ممتازة في الاستيفاء حتى بعد بيع العقار بالمزاد، فإذا لم تكفِ حصيلة البيع لسداد كامل الدين يبقى الجزء المتبقي دينًا واجب التحصيل بالطرق القانونية كدين حكومي ممتاز.
- بيع العقار بالمزاد العلني: إذا تراكم تخلف المقترض إلى حد عدم تسديد 24 قسطًا شهريًا (سنتان من الأقساط)، سواء كانت متصلة أو منفصلة، يحق لإدارة الصندوق مباشرة إجراءات بيع العقار بالمزايدة العلنية لاستيفاء مستحقاتها. ويُنفَّذ ذلك عبر مديرية التنفيذ المختصة مكانيًا بموجب قانون التنفيذ، حيث يُحجز العقار ويطرح في مزاد علني. ويتحمل المقترض جميع الرسوم والمصاريف المترتبة على عملية البيع بالمزاد بما فيها رسوم النشر والإعلان وغيرها. وبعد البيع، تُستوفي مستحقات الصندوق من ثمن العقار، فإن زادت الحصيلة عن الدين تُعاد الفائض للمقترض، وإن نقصت يبقى للمقترض دين كما أسلفنا يتم تحصيله كدين حكومي.
- إنفاذ الكفالات الشخصية: إضافةً لضمان العقار، أجازت المادة 14 من القانون للصندوق أن يطلب من دائرة التنفيذ القضائي تنفيذ سند الكفالة الشخصية الموقعة من الكفيل. وبذلك يمكن الحجز على رواتب أو أموال الكفلاء الشخصية أيضًا لتحصيل أموال الصندوق. هذه القوة في التنفيذ تجعل الكفالة الحكومية فعّالة جدًا، وتدفع الكفلاء إلى مراقبة المقترضين الذين ضمنوهم وحثهم على السداد تفاديًا للمساءلة المالية.
- التأمين ضد الوفاة: في جانب آخر لضمان حقوق الصندوق وعائلة المقترض معًا، خول القانون الصندوق بأن يؤمّن على حياة المقترضين لدى شركة تأمين معتمدة. وبموجب المادة 15، يعتبر عقد التأمين الجماعي المؤقت الذي يبرمه الصندوق على حياة المستفيدين ساريًا ونافذًا من تاريخ توقيعه دون الحاجة لموافقة المستفيد الفردية. هذا يعني أنه عند وفاة المقترض خلال مدة القرض يُعتبر القرض مُسدَّدًا بالكامل من شركة التأمين، ولا تُطالب أسرة المتوفى بشيء، بل تنقضي المديونية بانقضاء حياة المقترض. وقد وصف مسؤولو الصندوق هذه الحالة بعبارة مجازية هي "وفاة القرض" مع وفاة صاحبه. يُعد هذا التأمين الإلزامي عنصر أمان اجتماعي مهم، يحمي أسرة المقترض ويضمن في الوقت ذاته عدم خسارة الصندوق لأمواله.
يتضح مما سبق أن المنظومة القانونية والإجرائية للصندوق تحقق توازنًا دقيقًا بين تيسير الحصول على القروض السكنية بلا فوائد للمواطن من جهة، وبين حماية الأموال العامة من التعثر والضياع من جهة أخرى. فالصندوق يمنح القرض بشروط ميسرة، لكنه يحتفظ بقبضة قانونية حازمة لضمان السداد، سواء عبر الرهن العقاري الأول على الأرض، أو الكفيل الحكومي الملزم، أو عبر إجراءات قضائية وتنفيذية مشددة (غرامات، إنذارات، إخلاء، بيع عقار، تنفيذ على الكفيل). هذه الصرامة ضرورية لاستدامة عمل الصندوق بوصفه صندوقًا دوّارًا (Revolving Fund) ؛ فالمبالغ المسترجعة من المقترضين السابقين تُستخدم لإقراض مواطنين آخرين، مما يجعل معدل الاسترداد العالي شرطًا لاستمرار تمويل مزيد من الأسر مستقبلًا.
في الختام، يُعد فهم الجوانب القانونية لقروض الإسكان خطوة حاسمة لضمان استقرارك المالي وتجنب المخاطر القانونية المرتبطة بالتعثر في السداد أو مخالفة شروط البناء. سواء كنت مقترضاً فردياً أو مستثمراً في قطاع الإسكان، فإن المشورة المختصة تحميك من الأخطاء المكلفة.