تتميّز الشروط التي أوردها قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017، سواء تلك المتعلقة بعقد الوكالة التجارية أو بالوكيل التجاري ذاته، بطابع إلزامي وآمر، ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو تجاوزها كونها من النظام العام، ذلك أن المشرّع لم يقرّرها لمجرد تنظيم العلاقة التعاقدية بين طرفي العقد، وإنما لتحقيق غاية تنظيمية تتصل بالنظام العام الاقتصادي وتنظيم نشاط الوكالات التجارية داخل العراق.
جزاءات شروط عقد الوكالة التجارية
ويتجلّى الطابع الإلزامي لهذه الشروط بوضوح من خلال الجزاءات التي رتّبها القانون على الإخلال بها، والتي تتدرج من جزاءات ادارية إلى جزاءات جزائية.
أولاً: الآثار الإدارية المترتبة على الإخلال بشروط الوكيل التجاري:
نصّت المادة (7) من قانون تنظيم الوكالة التجارية على حالات إلغاء إجازة الوكيل التجاري، وهو ما يُعد من أخطر الآثار القانونية المترتبة على الإخلال بالشروط المنصوص عليها في القانون، إذ جاء فيها:
- تُلغى إجازة الوكيل التجاري إذا فقد أي شرط من الشروط المنصوص عليها في المادة (4) من القانون، وهو ما يؤكد أن شروط الوكيل التجاري شروط مستمرة وليست وقتية، ويجب توافرها طوال مدة ممارسة النشاط.
- تُلغى الإجازة إذا أُلغي تسجيل عقد الوكالة التجارية الوحيدة المسجّلة باسم الوكيل لأي سبب من الأسباب المنصوص عليها في المادة (8)، ولم يقدّم وكالة تجارية جديدة خلال مدة (180) مئة وثمانين يوماً من تاريخ الإلغاء.
- تُلغى الإجازة كذلك في حال عدم قيام الوكيل التجاري بتجديد إجازته بعد مضي المدة المنصوص عليها في المادة (6) من القانون.
كما أتاح المشرّع للوكيل التجاري حق التظلم من قرار إلغاء الإجازة أمام الوزير المختص خلال مدة (30) ثلاثين يوماً من اليوم التالي لتاريخ تبلغه بقرار الإلغاء، على أن يبت الوزير في التظلم خلال (10) عشرة أيام عمل من تاريخ تسجيله وارداً في مكتبه، ويُعد سكوت الوزير بعد انقضاء هذه المدة رفضاً للتظلم حكماً، ويكون قراره قابلاً للطعن أمام محكمة القضاء الإداري.
ثانياً: الآثار المترتبة على الإخلال بشروط عقد الوكالة التجارية:
نصّت المادة (8) من قانون تنظيم الوكالة التجارية على حالات إلغاء تسجيل عقد الوكالة التجارية، وهو ما يترتب عليه زوال الأثر القانوني للعقد أمام الجهات الرسمية، ومنع الاستناد إليه في ممارسة أعمال الوكالة التجارية، وذلك في الحالات الآتية:
- إذا تبيّن أن تسجيل عقد الوكالة التجارية تم بناءً على بيانات أو وثائق غير صحيحة.
- إذا طلب الوكيل التجاري أو الموكل إلغاء العقد، شريطة ألا يكون الإلغاء بقصد الإضرار بمصلحة أحد الطرفين.
- إذا تبيّن أن الشركة الأجنبية الموكلة قد أخلّت بالتزاماتها تجاه العراق، وتم إدراجها في القائمة السوداء.
- مرور (90) تسعين يوماً على إشعار المسجل للوكيل التجاري بانتهاء مدة العقد دون تجديده.
- إلغاء إجازة الوكيل التجاري وعدم حصوله على إجازة جديدة خلال مدة (180) مئة وثمانين يوماً من تاريخ الإلغاء.
ويُفهم من هذه الحالات أن تسجيل عقد الوكالة التجارية ليس إجراءً شكلياً، بل شرطاً جوهرياً لاستمرار مشروعية ممارسة النشاط، وأن أي إخلال بالشروط التي قام عليها التسجيل يترتب عليه إلغاؤه.
ثالثاً: الجزاءات الجزائية المترتبة على مخالفة أحكام القانون:
لم يكتفِ المشرّع بالجزاءات الإدارية، بل قرّر جزاءات جزائية صريحة في المادة (18) من قانون تنظيم الوكالة التجارية، تأكيداً للطابع الآمر لأحكامه، حيث نصّت على ما يأتي:
- يعاقب بغرامة مقدارها (15,000,000) خمسة عشر مليون دينار كل من قام بعمل من أعمال الوكالة التجارية دون الحصول على الإجازة أو لم يقم بتسجيل جميع وكالاته.
- يعاقب بغرامة مقدارها (5,000,000) خمسة ملايين دينار كل وكيل خالف أحكام المادة (11) من القانون المتعلقة بمسك الدفاتر والسجلات.
- يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات كل موظف أو مكلف بخدمة عامة قام عمداً بأعمال الوكالة التجارية.
وتكشف هذه العقوبات عن إرادة تشريعية واضحة في تجريم ممارسة أعمال الوكالة التجارية خارج الإطار القانوني، ولا سيما في الحالات التي استمرار المرافق العامة أو تؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني.
نطاق الأعمال التي تُعد وكالة تجارية وفق القانون العراقي
حددت تعليمات تسهيل تنفيذ أحكام قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017 نطاق الأعمال التي تُعد وكالة تجارية على سبيل الحصر، وذلك في المادة (1) منها، وبما لا يترك مجالاً للتوسع أو القياس خارج ما ورد صراحة في النص. وعليه، فإن خضوع أي علاقة قانونية لأحكام قانون الوكالة التجارية يتوقف على اندراجها ضمن أحد الأنواع المحددة في التعليمات.
أولاً: الوكالة التجارية:
تُعد الوكالة التجارية عقداً يُخوِّل بموجبه الموكل الأجنبي، سواء كان شخصاً طبيعياً أم معنوياً، الوكيل التجاري العراقي حق تمثيله والعمل باسمه ولحسابه داخل العراق، لقاء ربح أو عمولة أو راتب أو أجر مقطوع أو نسبة مئوية من قيمة العقود المبرمة بواسطة الوكيل، ولمدة زمنية معينة.
ويشترط أن يُبيَّن في عقد الوكالة أو ملحقه أو في رسالة توضيحية مصدقة أصولياً نوع المنتجات أو الخدمات التي تشملها الوكالة.
ويتميّز هذا النوع من الوكالات بقيام الوكيل بتمثيل الموكل مباشرة، وباسمه ولحسابه، دون انتقال ملكية السلع إلى الوكيل.
ثانياً: الوكالة بالعمولة:
تنظم الوكالة بالعمولة بعقد يُخوَّل بموجبه الوكيل التجاري العراقي العمل داخل العراق باسمه الشخصي ولكن لحساب الموكل الأجنبي، ووفق الشروط التي يحددها هذا الأخير، بما في ذلك القيام بأعمال التوزيع والتسويق لمنتجاته وتقديم الخدمات نيابةً عنه.
ويكون المقابل في هذه الحالة عمولة تُحتسب بنسبة مئوية من المبيعات أو مقابل الخدمات المقدمة، ولمدة زمنية معينة، على أن تُحدَّد المنتجات أو الخدمات في العقد أو ملحقه أو رسالة توضيحية مصدقة أصولياً.
ويختلف هذا النوع عن الوكالة التجارية التقليدية من حيث أن الوكيل يعمل باسمه، لا باسم الموكل، مع بقاء النتائج الاقتصادية لحساب الموكل.
ثالثاً: وكالة الموزع (عقد التوزيع):
تتحقق وكالة الموزع عندما يُخوِّل الموكل الأجنبي الموزع العراقي شراء السلعة لحسابه الخاص، فتنتقل ملكيتها إليه، ثم يقوم بإعادة عرضها وبيعها بالسعر الذي يقرره، لقاء ربح، مع التزامه بتقديم خدمات ما بعد البيع.
ويُشترط كذلك تحديد المنتجات أو الخدمات المشمولة في العقد أو ملحقه أو رسالة توضيحية مصدقة أصولياً.
ويمتاز هذا النوع من العقود بانتقال ملكية السلعة إلى الموزع، بخلاف الوكالة التجارية والوكالة بالعمولة، مع بقاء العلاقة خاضعة لأحكام قانون الوكالة التجارية متى استوفت شروطه.
رابعاً: وكالة صاحب الامتياز (الفرانشايز):
تنظم وكالة صاحب الامتياز بعقد يُخوِّل بموجبه الموكل الأجنبي صاحب الامتياز العراقي استخدام حق واحد أو أكثر من حقوق الملكية الفكرية، لغرض إنتاج السلعة محلياً وفق المواصفات المعتمدة، وتسويقها وتقديم خدمات ما بعد البيع لها، تحت العلامة التجارية الأصلية المملوكة لمانح الامتياز.
ويتم ذلك وفق تعليمات مانح الامتياز وتحت إشرافه، وبشكل حصري في منطقة جغرافية محددة ولمدة زمنية معينة، مع التزام مانح الامتياز بتقديم الدعم والمساعدة والمشورة الفنية، لقاء مقابل مادي أو جزء من المزايا أو الفوائد الاقتصادية للمشروع.
ويشترط أيضاً تحديد المنتجات أو الخدمات المشمولة في العقد أو ملحقه أو رسالة توضيحية مصدقة أصولياً.
خامساً: الأعمال الخارجة عن نطاق الوكالة التجارية:
يُستفاد من النصوص المتقدمة أن نطاق الأعمال التي تُعد وكالة تجارية محدد على سبيل الحصر، وبالتالي فإن أي عمل لا يندرج ضمن الأنواع الأربعة المذكورة لا يُعد وكالة تجارية ولا يخضع لأحكام قانون تنظيم الوكالة التجارية، ولو تشابه معها في بعض الجوانب.
ومن أمثلة الأعمال المشابهة التي لا تُعد وكالة تجارية بالمعنى القانوني:
- عقود البيع المباشر بين شركة أجنبية وشركة عراقية دون تمثيل أو توزيع مستمر.
- عقود التوريد المؤقتة أو لمرة واحدة، التي لا تنشئ علاقة وكالة أو توزيع دائمة.
- عقود الاستشارة أو الخدمات الفنية البحتة التي لا تتضمن تسويق منتجات أو تقديم خدمات ما بعد البيع نيابةً عن موكل أجنبي.
- عقود العمل أو التمثيل التسويقي الداخلي التي لا يكون طرفها موكلاً أجنبياً.
- الاستيراد الشخصي أو غير التجاري الذي يتم خارج إطار نشاط تجاري منظم.
وبناءً عليه، فإن خضوع أي علاقة قانونية لأحكام قانون تنظيم الوكالة التجارية يتوقف حصراً على تكييفها القانوني الصحيح واندراجها ضمن أحد الأنواع المحددة في تعليمات القانون، ولا يكفي مجرد التشابه الشكلي أو الاقتصادي لإسباغ وصف الوكالة التجارية عليها.
إنهاء عقد الوكالة التجارية وعدم تجديده في ضوء المادة (20) من قانون تنظيم الوكالة التجارية ومقارنتها بأحكام القانون المدني
أدخل المشرّع العراقي بموجب قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017 تنظيماً خاصاً لمسألة إنهاء عقد الوكالة التجارية وعدم تجديده، وذلك في المادة (20) من القانون، بما يخرج عن القواعد العامة المنصوص عليها في القانون المدني، ويؤسس لنظام قانوني خاص يهدف إلى حماية الوكيل التجاري وضمان استقرار العلاقة التعاقدية.
أولاً: حكم المادة (20) من قانون تنظيم الوكالة التجارية
نصّت المادة (20) من قانون تنظيم الوكالة التجارية على ما يأتي:
"لا يجوز للموكل إنهاء عقد الوكالة أو عدم تجديده ما لم يكن هناك سبب يبرر إنهاءه أو عدم تجديده، ويجوز فسخ عقد الوكالة بالتراضي بين الوكيل والموكل أو وفق اتفاق يبرم بين الطرفين يحدد بموجبه إجراءات التحكيم وجهته والقانون الواجب التطبيق."
ويُستفاد من هذا النص أن المشرّع قيّد سلطة الموكل في إنهاء عقد الوكالة التجارية أو الامتناع عن تجديده، فلم يعد الإنهاء أو عدم التجديد متروكاً لإرادة الموكل المنفردة، بل اشترط وجود سبب يبرر ذلك. كما أجاز إنهاء العقد باتفاق الطرفين، أو باللجوء إلى التحكيم وفق ما يتم الاتفاق عليه تعاقدياً.
ويكشف هذا التنظيم عن توجّه تشريعي واضح يرمي إلى منع الإنهاء التعسفي لعقود الوكالة التجارية، ولا سيما في ظل ما يبذله الوكيل من جهود واستثمارات لبناء السوق والسمعة التجارية للموكل داخل العراق.
ثانياً: خروج المشرع في المادة (20)عن القواعد العامة في نظرية الفسخ:
تنص المادة (178) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 على جواز اتفاق المتعاقدين على أن يُعد العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه، وهو ما يمثل القاعدة العامة في نظرية الفسخ، القائمة على مبدأ حرية الإرادة في تنظيم أسباب وآليات إنهاء العقد.
إلا أن الحكم الوارد في المادة (20) من قانون تنظيم الوكالة التجارية يُعد نصاً خاصاً خرج به المشرّع على هذه القواعد العامة، إذ قيّد إمكانية الاتفاق على إنهاء عقد الوكالة التجارية، ومنع الموكل من إنهاء العقد أو عدم تجديده بإرادته المنفردة، حتى ولو تم الاتفاق على ذلك مسبقاً، ما لم يوجد سبب يبرر الإنهاء أو عدم التجديد.
وبذلك يكون المشرّع قد قيّد مبدأ حرية التعاقد المقرر في القانون المدني، وأقام تنظيماً خاصاً لعقود الوكالة التجارية يغلّب اعتبارات الحماية والاستقرار على القواعد العامة للفسخ.
رابعاً: الأثر العملي لهذا القيد وعدم توازن المراكز القانونية
يثير نص المادة (20) إشكالية عملية مهمة، تتمثل في استخدام المشرّع لعبارة "سبب يبرر الإنهاء أو عدم التجديد"، وهي عبارة فضفاضة لم يضع لها القانون معياراً محدداً، الأمر الذي يفتح الباب لاجتهادات إدارية وقضائية متباينة في تقدير مدى توافر هذا السبب.
كما يُلاحظ أن المشرّع قيّد حق الموكل في الإنهاء وعدم التجديد، في حين لم يرد في القانون نص مماثل يقيّد حق الوكيل التجاري في إنهاء عقد الوكالة، وهو ما يؤدي عملياً إلى وضع الموكل الأجنبي في مركز قانوني أضعف من مركز الوكيل التجاري.
ويُفهم من ذلك أن المشرّع انحاز صراحةً إلى حماية الوكيل التجاري، باعتباره الطرف المحلي الذي يُسهم في تنشيط الاقتصاد الوطني، حتى وإن كان ذلك على حساب مبدأ التوازن الكامل بين أطراف العلاقة التعاقدية.
خاتمة
يتضح من هذا البحث أن قانون تنظيم الوكالة التجارية رقم 79 لسنة 2017 قد أرسى تنظيماً قانونياً خاصاً لعقود الوكالة التجارية في العراق، يقوم على قواعد آمرة ترتبط بالنظام العام الاقتصادي. وقد ربط المشرّع انعقاد عقد الوكالة التجارية ونفاذ آثاره بتوافر شكلية محددة، ولا سيما الكتابة والتسجيل والحصول على الإجازة، مما يجعل هذا العقد من العقود الشكلية التي لا تنعقد ولا تنتج آثارها إلا باستيفاء هذه المتطلبات.
كما أخضع القانون الوكيل التجاري لالتزامات تنظيمية واضحة، ووفّر له حماية خاصة من خلال تقييد سلطة الموكل في إنهاء العقد أو عدم تجديده إلا لسبب مبرر. وبذلك، فإن سلامة تطبيق هذا القانون تقتضي الالتزام الدقيق بإجراءاته وصياغة عقود الوكالة التجارية بما ينسجم مع أحكامه الآمرة، ضماناً لمشروعية العقد واستقرار التعاملات التجارية.
لضمان سلامة عقود الوكالة التجارية وصياغتها بما ينسجم مع القواعد الآمرة في التشريع العراقي، يُنصح بالاستعانة بجهة قانونية متخصصة. تواصل مع شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات، وتعاون مع محامي في العراق وقدّم استشارات قانونية دقيقة وحلولًا عملية تضمن مشروعية العقد واستقرار التعاملات التجارية.