<meta name="google-site-verification" content="4XN2SjXYk6LK9bqfiZoXeTd2r_847Kmu9bOlJezEu_A" />

تأثير الأسيكودا على التعرفة الجمركية في العراق

تأثير الأسيكودا على التعرفة الجمركية في العراق

تأثير الأسيكودا على التعرفة الجمركية في العراق

تمثل التعرفة الكمركية الهيكل القانوني للرسوم الجمركية المفروضة على السلع المستوردة. وكان العراق قد أقرَّ قانون التعرفة الكمركية رقم 22 لسنة 2010 الذي يُشكّل الإطار التشريعي لتعريفة الرسوم الكمركية في العراق والأساس القانوني الذي تُبنى عليه عمليات استيفاء “رسوم الوارد الكمركي” على البضائع المستوردة، إذ قررت المادة (1/أولًا) أن الاستيفاء يتم وفق النِّسب المقررة في جداول تعريفة الرسوم الكمركية والروزنامة الزراعية الملحقة بالقانون، وأكدت المادة (1/ثانيًا) أن المقصود بهذه الجداول هو ذلك التنظيم الفني الذي يضم البنود الفرعية ورموزها الرقمية والأقسام والفصول والملاحظات، وفق النظام المنسق العالمي (HS) المعتمد من منظمة الكمارك العالمية، بما يضمن وحدة التصنيف وتقليل الاختلاف في التفسير عند التطبيق.

كما عززت المادة (1/ثالثًا) الطبيعة الإلزامية لهذه الجداول باعتبارها “جزءًا لا يتجزأ” من القانون، الأمر الذي يمنحها حجية تشريعية مباشرة عند فرض الرسوم وحسم المنازعات المتعلقة بالتصنيف والنِّسب. وفي المقابل، منحت المادة (2/أولًا) مجلس الوزراء—بناءً على طلب وزير المالية الاتحادي—صلاحية تعديل الرسم الكمركي في الحالات الطارئة التي تفرضها الضرورات الاقتصادية أو النقدية، وبهدف اتخاذ إجراءات الحماية أو المعاملة بالمثل، وهو ما يعكس مرونة تشريعية تسمح بالتدخل السريع لضبط السوق وحماية المنتج الوطني أو إدارة اختلالات الميزان التجاري.

وامتدادًا لذلك، قررت المادة (2/ثانيًا) فرض رسم على البضائع غير الواردة في جدول التعريفة بنسبة لا تتجاوز (20%) من قيمتها، مع جواز تعديل هذه النسبة للأسباب ذاتها، على أن أكدت المادة (2/ثالثًا) وأن زيادة الرسم الكمركي تُعد إجراءً مؤقتًا يزول بزوال أسبابه، بما يقيّد سلطة التعديل بضوابط الغاية والضرورة ويمنع تحول التدابير الاستثنائية إلى قواعد دائمة خارج مقتضياتها.، إلا أن تطبيق هذا القانون شهد تأجيلاً وتعطيلاً في فترات سابقة لأسباب اقتصادية وسياسية (منها اختلاف التطبيق بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، والأوضاع الأمنية والاقتصادية بعد 2014). نتيجة لذلك، استمرت طويلاً رسوم منخفضة موحدة أو رمزية على كثير من السلع، ولم تُفعَّل معظم بنود القانون حتى وقت قريب.

مع إدخال نظام الأسيكودا، أصبح من الممكن تطبيق التعرفة الجمركية القانونية بشكل دقيق وموحد في كافة المنافذ. فالنظام يحتوي على قاعدة بيانات بكافة بنود التعرفة (رموز النظام المنسق (HS ونسب الرسوم المحددة لكل بند بحسب القانون. وقد أدى قرار مجلس الوزراء رقم 957 لسنة 2025 إلى إزالة الاستثناءات السابقة كنظام الرسوم المقطوعة على الحاويات الذي كان محدداً بمبلغ ثابت للحاوية 20 قدماً (مثلاً 2 مليون دينار) و40 قدماً (3 مليون دينار) بغض النظر عن محتوياتها. هذا النظام المبسط وإن قدّم "تكلفة متوقعة" للمستوردين، إلا أنه عملياً تنافى مع مبدأ العدالة الضريبية وأدى إلى تفاوت كبير في الرسوم الفعلية (حيث استفاد من يدفع رسوماً مقطوعة على حاوية تحوي بضائع عالية القيمة على حساب الخزينة).

أما بعد التعديل، فقد تم الانتقال إلى نظام الاحتساب الفردي لكل مادة في الشحنة

 (“Item-Based Duty Calculation”). بمعنى أن كل سلعة في الإرسالية تخضع لرسمها المحدد بنسبة مئوية من قيمتها (وفق رمز HS الخاص بها). تبدأ نسب الرسوم من 5% كحد أدنى وقد ترتفع لفئات أعلى تبعاً لنوع السلعة ومدى اعتبارات الحماية أو الكمالية المتعلقة بها. على سبيل المثال، السلع الأساسية والمواد الأولية قد تكون رسومها 5% أو 10%, بينما السلع الكمالية أو ذات المثيل المحلي ربما تصل رسومها إلى 20% أو 30% وفق ما نص عليه القانون. هذه الهيكلية الجديدة جعلت آلية استيفاء التعرفة أكثر تعقيداً لكنها أكثر عدالة ومواءمة للمعايير الدولية، حيث أصبح العراق يطبق نظاماً جمركياً مشابهاً لما تطبقه أغلب الدول في إطار منظمة الجمارك العالمية.

ويسمح نظام الأسيكودا للحكومة بتحديث جداول التعرفة بسهولة إذا ما أقر البرلمان تعديلات جديدة، كما يمكنه استيعاب الرسوم الإضافية (مثل رسوم حماية المنتج المحلي) التي تصدر وفق قانون رقم   ١١لسنة ٢٠١٠ حماية المنتجات العراقية أو التخفيضات (الإعفاءات الجمركية) بشكل آلي دون حاجة للاجتهاد اليدوي في كل معاملة. كما أن احتساب القيمة الخاضعة للرسوم يتم بطريقة إلكترونية متطورة: فالنظام يدعم طرائق التثمين الجمركي المعترف بها، سواء بالاعتماد على فاتورة الشراء المقدمة من المستورد أو بالرجوع إلى قاعدة قيم معيارية (القيمة التقديرية من دفاتر التعرفة) في حال الشك بصحة الفواتير. القرار النهائي في اختيار طريقة التثمين يبقى للسلطة الجمركية، لكن وجود القيم المرجعية في النظام يقلل فرصة التلاعب بقيمة البضائع المصرح بها.

ويعد تطبيق التعرفة الموحّدة عبر الأسيكودا خطوة مهمة أيضاً لتوحيد السياسة الجمركية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان. فقد طالبت الحكومة المركزية بأن يتم اعتماد نفس جداول الرسوم المقررة في بغداد ضمن منافذ الإقليم الشمالية، كشرط لربطها بمنظومة الأسيكودا. وبالفعل، حُدد تاريخ 1 كانون الثاني 2026 كموعد نهائي لتوحيد التعرفة وتطبيق الأسيكودا في منافذ الإقليم، تحت طائلة اتخاذ إجراءات عقابية مالية. إذ حذر البنك المركزي العراقي ووزارة المالية من أنه في حال عدم التزام منافذ الإقليم بالرسوم الموحدة والنظام الإلكتروني، سيتم حجب تلك المنافذ عن المنصة المالية للبنك المركزي، مما يعني عملياً منع التجار عبر تلك المنافذ من الوصول إلى الدولار بالسعر الرسمي ومن إجراء التحويلات المالية التجارية. هذا التطور أبرز أهمية الأسيكودا كأداة ليس فقط لضبط الرسوم، بل أيضاً للرقابة على حركة الأموال ومنع التهرب من القيود المصرفية (مثل تهريب العملة أو تمويل الاستيراد من السوق الموازية).

ومن النتائج المباشرة لتطبيق التعرفة القانونية عبر الأسيكودا

  • زيادة ملحوظة في الإيرادات الجمركية: حيث أشارت التقارير الرسمية إلى تضاعف الإيرادات المحصلة تقريباً بعد تطبيق النظام وتفعيل التعرفة الكاملة. فقد أكدت الهيئة العامة للجمارك أن تطبيق الأسيكودا منذ أكتوبر 2023 ساهم في رفع الإيرادات بنسبة 100% خلال عامين, نتيجة تسريع التدقيق وتقليص التدخل البشري والحد من الفساد. وبلغت الإيرادات الجمركية في عام 2025 أكثر من 2.2 تريليون دينار عراقي، وهو رقم غير مسبوق تاريخياً.
  • تحسين الامتثال والشفافية: إذ أصبح من الصعب على المستوردين أو بعض الموظفين التحايل على الرسوم عبر تصنيف خاطئ للبضاعة أو إخفاء قيمتها الحقيقية. فكل معاملة يجري تتبعها إلكترونياً، وأي محاولة لتجاوز النظام ستصبح ظاهرة للجهات الرقابية المرتبطة به. أشار محللون إلى أن التشديد في الإجراءات والرقابة الإلكترونية دفع بالذين كانوا يسعون للحصول على الدولار لأغراض غير مشروعة نحو السوق الموازية لتعويض انخفاض إمكانية التلاعب عبر القنوات الرسمية، مما يعني أن النظام أغلق ثغرات التهريب والتزوير في الوثائق التي كانت تستغل سابقاً.
  • تقليل متوسط زمن التخليص الجمركي (بعد تجاوز مرحلة التأقلم الأولية): فعلى المدى البعيد، يفترض أن يؤدي النظام الإلكتروني إلى تقليل الوقت المستغرق لإتمام الإجراءات الجمركية لأن الكثير منها أصبح مؤتمتاً ويمكن تنفيذه مسبقاً (مثل إدخال المعلومات قبل وصول الشحنة). بالفعل، أشارت استراتيجية البنك المركزي إلى أن أحد أهداف الانتقال للأسيكودا هو تقليص مدد التخليص وتسريع خروج البضائع. وفي المرحلة الحالية، رغم حدوث بعض التأخير بسبب تعوّد الموظفين والمخلصين على المتطلبات الجديدة، يتوقع أن يتحسن المعدل الزمني تدريجياً مع زيادة الخبرة واستقرار الإجراءات.
  • توفير بيانات إحصائية دقيقة وفورية: مما يساعد صانعي القرار على فهم الميزان التجاري وأنماط الاستيراد بشكل أفضل. هذا له جوانب قانونية أيضاً، حيث يمكن استخدام البيانات لرسم سياسات رسوم أو حظر استيراد لبعض السلع مستقبلاً بناء على معلومات موثوقة وليست تقديرية.

رغم هذه الإيجابيات، لا بد من الإشارة إلى الآثار الجانبية والتحديات في جانب التعرفة:

  • واجه بعض التجار صدمة في ارتفاع تكاليف الاستيراد عند الانتقال المفاجئ من الرسوم المخفضة أو المقطوعة إلى الرسوم القانونية الكاملة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت كلفة التخليص لبعض السلع بنسب تصل إلى 15% أو أكثر. وذكر مسؤول محلي أن الحركة التجارية عبر منفذ طريبيل مع الأردن انخفضت إلى نحو 15% مما كانت عليه قبل 1 يناير 2026 بسبب هذه الزيادة في الرسوم وتطبيق نظام التصريح المسبق. كثير من التجار فضلوا إعادة توجيه بضائعهم عبر منافذ إقليم كردستان (التي تأخرت في تطبيق التعرفة الجديدة) لتجنب الرسوم المرتفعة.
  • دفعت هذه الصدمة الاقتصادية محللين للمطالبة بالتدرج في التطبيق بدلاً من التنفيذ الفوري لجميع الإجراءات دفعة واحدة. حيث يرى البعض أنه كان ينبغي البدء بتطبيق الأتمتة والاحتساب المسبق على السلع الأعلى قيمة وتأثيراً ثم التوسع تدريجياً ليشمل بقية السلع، بدل فرض نظام الأسيكودا والاحتساب المسبق والأمانات الضريبية والسيطرة النوعية معاً في وقت واحد. كما اقترح خبراء ضرورة إعادة النظر في نسب الرسوم لبعض المواد، خاصة الأجهزة الإلكترونية والكهربائية، وعدم تطبيق نسبة موحدة عليها دون اعتبار لأهميتها للمستهلك وإمكانية تصنيعها محلياً مستقبلاً.
  • من الناحية القانونية، أُثير جدل برلماني حول ارتفاع الرسوم، إذ حاول بعض النواب الضغط لإلغاء قرار مجلس الوزراء رقم 957 لسنة 2025. وانطلاقًا من واقع خبرتنا العملية بوصفنا إحدى شركات المحاماة الكبرى في العراق، ونتيجة تعاملنا المباشر مع كبرى الشركات الاستثمارية في ملفات الاستيراد والامتثال الكمركي والضريبي، يقتضي التنبيه إلى نقطة قانونية جوهرية كثيرًا ما يختلط فهمها في النقاش العام؛ وهي أن معدلات التعرفة الكمركية ذاتها محددة أصلًا بنص تشريعي صادر عن السلطة التشريعية، وبوجه خاص قانون التعرفة الكمركية رقم (22) لسنة 2010، وليس مجرد قرار إداري حكومي.

ووفقًا لهذا المنطق، فإن ما قامت به الحكومة في جوهره لا يُعد “فرضًا لرسوم جديدة”، بقدر ما هو تفعيلٌ وتطبيقٌ لقواعد قائمة ضمن قانون نافذ، عبر أدوات تنفيذية (كالجداول والآليات والتعليمات) لضمان الاستيفاء وفق التصنيف المقرر. أما تعديل نسب الرسوم أو إعادة هيكلتها كليًا فلا يتحقق قانونًا إلا عبر تشريع جديد يصدر عن مجلس النواب، بينما يقتصر دور مجلس الوزراء—في الأصل—على تنفيذ القانون وتفعيل أدواته التنظيمية ضمن حدود التفويض التشريعي. وقد أكّد مختصون هذا المعنى، مبيّنين أن توجيه اللوم للحكومة بسبب ارتفاع الرسوم لا يستقيم من زاوية التكييف القانوني متى كان الأمر متعلقًا بتطبيق نص تشريعي نافذ، وأن المسار الصحيح—إذا اقتضت المصلحة الاقتصادية تخفيف الأعباء أو إعادة توزيعها—هو توجيه النقاش نحو تعديل القانون عبر السلطة التشريعية ضمن الأطر الدستورية والمالية السليمة.

تحدٍ آخر يتمثل في توحيد التطبيق بين المنافذ كافة بما فيها منافذ إقليم كردستان. فعدم التزام أي منفذ بالنظام أو بالرسوم ذاتها يخلق تشوهاً في السوق ويشجع على التهريب أو تغيير مسارات التجارة. لذا يتطلب الأمر استمرار التنسيق والتأكيد على خضوع جميع المعابر لسلطة الدولة في هذا الصدد. الخطوات الأخيرة بإلزام الإقليم عبر ربطها بالنظام المالي الاتحادي كانت إجراءات حاسمة لضمان ذلك، لكن المتابعة مطلوبة لضمان عدم ظهور ثغرات جديدة.

بالنتيجة، يُمكن القول إن تأثير الأسيكودا على التعرفة الكمركية في العراق كان إعادة فرض لسيادة القانون في المجال الجمركي. فالنظام عزز تطبيق التعرفة المقررة قانوناً بنزاهة وشفافية، ورفع مساهمة الجمارك في الخزينة العامة، رغم ما صاحب ذلك من تحديات مرحلية ينبغي معالجتها بسياسات مكملة (كحزم دعم للمستوردين المتضررين مؤقتاً أو تعديل لبعض نسب الرسوم إن لزم الأمر).

إذا كنتم بحاجة إلى دعم في الامتثال الكمركي، تصنيف البنود، أو نزاعات الأسيكودا والتعرفة، تواصلوا مع شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات بصفتها شركة محاماة في العراق للحصول على استشارة قانونية متخصصة.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة - شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات