يُعد تنظيم تملك الأجنبي للعقار في العراق من الموضوعات القانونية ذات الحساسية الخاصة، نظراً لارتباطه بالسيادة، والسياسة الاقتصادية، ومتطلبات الاستثمار. وقد مرّ الإطار التشريعي الحاكم لهذا الموضوع بعدة مراحل متعاقبة عكست توجّه المشرّع العراقي في فترات مختلفة، ما بين الإباحة المقيدة والحظر المطلق، وصولاً إلى الإباحة الاستثنائية المرتبطة بالاستثمار. وفي هذا المقال، نستعرض أهم المراحل التشريعية التي نظمت تملك الأجنبي للعقار في العراق، مع بيان الأسس القانونية والضوابط التي تحكم هذا الحق في الوقت الراهن.
أولاً: مرحلة قانون تملك الأجنبي للعقار في العراق رقم (38) لسنة 1961 المعدل
صدر هذا القانون لتنظيم تملك الأجنبي للعقار في العراق، واعتمد مبدأ المعاملة بالمثل أساساً حاكماً لهذا الحق، مع فرض قيود وضوابط صارمة. وفيما يأتي عرض موجز لأهم الأحكام التي جاء بها:
-
يخضع تملك الأجنبي للعقار في العراق لمبدأ المعاملة بالمثل، فلا يجوز له التملك إلا بالقدر الذي يُسمح به للعراقي في بلد الأجنبي من حيث نوع العقار ومساحته وموقعه واستعماله (المادة 1).
-
يجوز لمجلس الوزراء تقييد أو تعليق حق الأجنبي في تملك العقار أو وقف تسجيله إذا اقتضت المصلحة العامة أو المعاملة بالمثل أو عند قيام ظروف طارئة (المادة 2).
-
لا تسري أحكام هذا القانون على رعايا الدول العربية، إذ يخضعون للأحكام الواردة في القوانين الخاصة النافذة (المادة 3).
-
يُشترط لتملك الأجنبي للعقار استحصال موافقة وزير الداخلية، وتحقق الإقامة في العراق لمدة لا تقل عن سبع سنوات، وعدم وجود مانع إداري أو عسكري، وألا يكون العقار قريباً من الحدود العراقية أو من الأراضي الزراعية أو الأميرية (المادة 4).
-
تُقيد ملكية الأجنبي بعقار واحد للسكن ومحـل واحد للعمل فقط، مع منعه من وقف العقار أو الوصية به لجهة أجنبية خارج العراق (المادة 5).
-
إذا تجاوز الأجنبي الحد المسموح له بتملكه، وجب عليه نقل الزيادة إلى عراقي خلال المدة القانونية المحددة، وإلا تُباع جبراً وفقاً لأحكام القانون (المادتان 11 و13).
-
يُعد باطلاً كل عقد أو تصرف أو تسجيل يقع مخالفاً لأحكام هذا القانون، ولا يترتب عليه أي حق مكتسب للأجنبي (المادتان 16 و17).
من هذه النصوص يتبين أن قانون تملك الأجنبي للعقار في العراق رقم (38) لسنة 1961 لم يقرّ حق التملك للأجنبي على إطلاقه، بل جعله حقاً استثنائياً مقيداً يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، وأحاطه بقيود إدارية وأمنية مشددة. وقد حرص المشرّع من خلال هذا القانون على تضييق نطاق تملك الأجنبي للعقار في العراق من حيث العدد، والموقع، والاستعمال، وربط هذا الحق بموافقات رسمية وشروط إقامة طويلة، ومن ذلك ما نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة الرابعة التي منعت تملك الأجنبي لأي عقار يقع على مسافة تقل عن (30) كيلومتراً من الحدود العراقية، فضلاً عن ترتيب البطلان على أي تصرف مخالف. وبذلك، يمكن القول إن هذه المرحلة كرّست مبدأ السماح المحدود لتملك الأجنبي للعقار باعتباره استثناءً خاضعاً لرقابة الدولة وليس حقاً أصيلاً أو مطلقاً.
ثانياً: مرحلة الحظر المطلق – قرار مجلس قيادة الثورة رقم (23) لسنة 1994
صدر هذا القرار عن مجلس قيادة الثورة المنحل، ولا يزال معمولاً به في العراق، وقد شكّل تحولاً جوهرياً في تنظيم تملك الأجنبي للعقار في العراق، إذ اتجه المشرّع من خلاله إلى تعليق شامل لكافة القوانين والقرارات التي كانت تجيز لغير العراقي تملك العقارات أو استثمار أمواله داخل العراق.
وقد قضى القرار بإيقاف العمل بجميع النصوص القانونية التي تسمح لغير العراقي بتملك العقار أو الاستثمار في الشركات أو بأي صورة أخرى من صور التملك أو الاستثمار، أياً كان شكلها أو سببها.
كما قرر فرض عقوبات جزائية على مخالفي أحكامه، تمثلت بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، مع تشديد العقوبة إذا كان المخالف عراقياً لتكون مدة الحبس لا تقل عن سنتين، فضلاً عن مصادرة الأموال أو العقارات التي تم تملكها أو استثمارها خلافاً لأحكام القرار.
وبذلك، تمثل هذه المرحلة مرحلة الحظر المطلق لـ تملك الأجنبي للعقار في العراق والاستثمار داخل العراق، إلى أن صدرت تشريعات لاحقة أعادت تنظيم هذا الحق ضمن أطر استثنائية ومحددة.
ثالثاً: الإباحة المقيدة ضمن الإطار الاستثماري – قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 (المعدل)
تمثل المادة (10) من قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 (المعدل) مرحلة مفصلية في تطور السياسة التشريعية العراقية تجاه تملك الأجنبي للعقار في العراق، إذ انتقل المشرّع فيها من مبدأ الحظر العام إلى الإباحة المقيدة المرتبطة بالاستثمار.
ففي فقرتها أولاً، قررت المادة مبدأ المساواة بين المستثمر العراقي والمستثمر الأجنبي، حيث يتمتع كلاهما بجميع المزايا والتسهيلات والضمانات التي يمنحها القانون، وفي المقابل يخضعان للالتزامات ذاتها، بما يؤكد وحدة المركز القانوني للمستثمر بغض النظر عن جنسيته.
أما في فقرتها ثانياً / أ / 1، فقد أجاز المشرّع تمليك المستثمر العراقي أو الأجنبي الأراضي المخصصة للمشاريع السكنية العائدة للدولة أو القطاع العام، كما أجاز له شراء الأراضي العائدة للقطاع الخاص أو المختلط، وذلك لغرض واحد حصراً هو إقامة مشاريع الإسكان، وبشرط أساسي يتمثل في عدم تعارض المشروع مع استعمالات التصميم الأساسي المعتمد.
ويُستفاد من هذه المادة أن المشرّع لم يمنح المستثمر الأجنبي حق التملك على إطلاقه، بل قيده بعدة ضوابط جوهرية، أبرزها:
-
حصر التمليك في المشاريع السكنية فقط دون غيرها.
-
ارتباط التمليك بوجود مشروع استثماري مرخص.
-
ضرورة الالتزام بالتخطيط العمراني والتصميم الأساسي.
-
مساواة المستثمر الأجنبي بالعراقي من حيث الحقوق والالتزامات ضمن الإطار الاستثماري.
وعليه، تُعد هذه المادة استثناءً تشريعياً صريحاً على القواعد العامة التي كانت تمنع تملك الأجنبي للعقار في العراق، وتؤسس لمرحلة ثالثة قوامها السماح المقيد بتملك المستثمر الأجنبي للعقار بوصفه أداة لتنفيذ المشروع الاستثماري، لا كحق تملك مطلق أو مستقل.
ويتعزز هذا الاتجاه التشريعي بشكل صريح من خلال المادة (34) من قانون الاستثمار، التي نصت على: "لا يُعمل بأي نص يتعارض و أحكام هذا القانون"
ويُفهم من هذا النص أن المشرّع قرر تعليق العمل بجميع القوانين والقرارات السابقة التي تتعارض مع أحكام قانون الاستثمار، ومن بينها قرار مجلس قيادة الثورة المنحل الذي كان يقضي بإيقاف تملك غير العراقي للعقار أو استثمار أمواله داخل العراق.
وبذلك، فإن المادة (34) تُعد تعليقاً تشريعياً صريحاً وناسخاً ضمنياً لقرار مجلس قيادة الثورة المشار إليه في المرحلة الثانية، في حدود ما يتعلق بالأنشطة الاستثمارية المشمولة بقانون الاستثمار، وتحديداً ما أُجيز بموجب المادة (10) من تمليك المستثمر الأجنبي للأراضي المخصصة لمشاريع الإسكان وفق الضوابط القانونية.
البدائل القانونية للتملك (عقد المساطحة وعقد الإيجار)
تُعد المساطحة من الحقوق العينية التي نظمها القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951، إذ نصت المادة (1266) منه على تعريفها بالصيغة الآتية:
" حق عيني يخول صاحبه أن يقيم بناء أو منشآت أخرى غير الغراس على أرض الغير وبمقتضى اتفاق بينه وبين صاحب الأرض، ويحدد هذا الاتفاق حقوق المساطح والتزاماته"
وبالنظر إلى الطبيعة القانونية للمساطحة بوصفها حقاً عينياً، فقد وضع المشرّع قيوداً خاصة على ترتيبها لصالح الأجانب، إذ نصت المادة (15) من قانون تملك الأجنبي للعقار في العراق رقم (38) لسنة 1961 المعدل على ما يلي:
«لا يجوز أن يُرتب لأجنبي أي حق عيني على عقارات الدولة ولا إعطاؤه امتياز استغلال على عقار شخص عراقي إلا بعقد امتياز وفقاً لأحكام القانون».
كما نصت المادة (152) من قانون التسجيل العقاري رقم (43) لسنة 1971 على ما يأتي:
المادة 152
يخضع تسجيل الحقوق العينية العقارية باسم الشركة الأجنبية للشروط الآتية:
- 1 – مصادقة مسجل الشركات على أن الشركة مسجلة في العراق وفقاً للقانون وعلى حقها في تملك العقار بموجب عقد تأسيسها.
- 2 – مصادقة الوزير المختص على كون العقار واقعاً داخل حدود المدن والقصبات أو كان مسموحاً بتملكه بموجب اتفاقية أو امتياز مصدقين بقانون.
- 3 – موافقة وزير الداخلية
وبما أن المساطحة تُعد من الحقوق العينية، فإن ترتيبها أو تسجيلها لصالح الشركات الأجنبية يخضع للشروط المتقدمة أعلاه، والتي تُعد شروطاً مشددة، ولا سيما شرط استحصال موافقة وزير الداخلية، الأمر الذي يجعل اللجوء إلى هذا الطريق القانوني بالغ الصعوبة من الناحية العملية.
وعليه، فإن البديل القانوني الأكثر واقعية للشركات الأجنبية يتمثل في عقد الإيجار، حيث يجوز الاتفاق على مدته وفقاً لإرادة الطرفين، لاسيما وأن القانون العراقي لم يحدد حداً أقصى لمدة عقد الإيجار، ما دام لا يخالف النظام العام ولا يؤدي إلى ترتيب حق عيني مستتر.
الخاتمة والاستنتاج
يتبين أن تنظيم تملك الأجنبي للعقار في العراق مرّ بثلاث مراحل تشريعية رئيسية: الأولى اعتمدت مبدأ المعاملة بالمثل مع فرض قيود صارمة، والثانية اتجهت إلى الحظر المطلق بموجب قرار مجلس قيادة الثورة رقم (23) لسنة 1994، والثالثة أعادت الإباحة بشكل مقيد ضمن الإطار الاستثماري بموجب قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006.
وقد أقر المشرّع في المرحلة الأخيرة حق تمليك المستثمر الأجنبي للعقار حصراً لغرض تنفيذ المشاريع السكنية المرخصة، وبشروط وضوابط محددة، مع تعطيل أي نص سابق يتعارض مع ذلك استناداً إلى المادة (34) من قانون الاستثمار. وعليه، فإن الأصل العام ما زال هو الحظر، والاستثناء يتمثل في الإجازة المقيدة المرتبطة بالاستثمار، دون أن يرقى ذلك إلى حق تملك مطلق للأجنبي.
وفي ضوء القيود المفروضة على ترتيب الحقوق العينية للأجانب، ولا سيما حق المساطحة بوصفه من الحقوق العينية التي تخضع لشروط تسجيل وموافقات مشددة، فإن اللجوء إلى هذا البديل يبقى محدوداً من الناحية العملية خارج إطار الاستثمار. وبناءً عليه، يُعد عقد الإيجار، بالمدد التي يتفق عليها الطرفان وضمن حدود عدم مخالفة النظام العام، البديل القانوني الأوسع والأكثر قابلية للتطبيق أمام الأجانب الراغبين بالانتفاع بالعقار دون اكتساب حق الملكية أو ترتيب حق عيني عليه.
هل تحتاج إلى استشارة قانونية دقيقة بشأن تملك الأجنبي للعقار في العراق؟ تواصل معنا الآن في شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والاستشارات للحصول على رأي قانوني موثوق وخطة إجراءات واضحة مع شركة محاماة في العراق.