هل تؤدي مخالفة تعليمات تنفيذ العقود الحكومية إلى بطلان العقد؟
عادت محكمة التمييز الاتحادية التأكيد على مبدأ مهم في التعاقدات الحكومية، مفاده أن التعاقد مع الجهات الرسمية لا يُنظر إليه بوصفه اتفاقاً مدنياً عادياً، بل هو تعاقد تحكمه إجراءات شكلية وقانونية ملزمة وردت في تعليمات تنفيذ العقود الحكومية، بما يجعل احترامها شرطاً جوهرياً لصحة التعاقد.
فقد صدر عن محكمة التمييز الاتحادية بتاريخ 9/9/2024 القرار بالعدد 3444/الهيئة الاستئنافية منقول/2024، والذي قرر أن التعاقد مع الجهات الرسمية يتم وفق إجراءات شكلية محددة في تعليمات تنفيذ العقود الحكومية، وأن كل اتفاق يخالف تلك التعليمات المالية يكون باطلاً قانوناً.
ولم يقتصر الأمر على تقرير هذا المبدأ، بل أكدت المحكمة في ذات النزاع، من خلال قرارها المرقم 3475/هيئة استئنافية منقول/2022، على ضرورة أن تتولى محكمة الموضوع التحقيق في مدى سلامة إجراءات التعاقد، وذلك عبر:
الاطلاع على العروض المقدمة إلى اللجان المختصة
مراجعة محاضر القبول
الاستماع إلى أقوال رئيس وأعضاء لجنة المشتريات
الاطلاع على أسعار المواد المحفوظة
طلب الإيضاحات اللازمة
وهذا الاتجاه القضائي يرسخ قاعدة بالغة الأهمية، وهي أن مشروعية العقد الحكومي لا تقف عند حدود رضا الطرفين أو تنفيذ الالتزامات، بل تمتد إلى سلامة الإجراءات السابقة على التعاقد ومدى مطابقتها للتعليمات النافذة.
وعليه، فإن مخالفة تعليمات تنفيذ العقود الحكومية ليست مجرد مخالفة إدارية يمكن تجاوزها، بل قد تفضي إلى بطلان الاتفاق ذاته متى كانت تلك التعليمات تتعلق بإجراءات جوهرية وملزمة في إبرام العقد.
إن هذا التوجه القضائي يوجه رسالة واضحة إلى الجهات المتعاقدة والمتعاملين معها، مفادها أن الالتزام بالشكل والإجراءات في العقود الحكومية ليس مسألة تنظيمية ثانوية، بل ضمانة قانونية لحماية المال العام وتحقيق الشفافية والمنافسة المشروعة.